البث المباشر الراديو 9090
الكاتبة الدكتورة عزة كامل
فى الشوارع المعتمة تهرب السكينة ويسكن الخوف، فى السماء كان القمر يسير، وفى الأرض كانت الريح تزمجر. لم يكن هناك نجم واحد يتألق فى القبة الزرقاء.

شعر أنه يسير محفوفًا بالخناجر فى طريق ملتوٍ ضيق، وأن قلبه سيصوغ منه نبالاً وسهاماً، حاول أن يهرب من الدقات المتكررة التى تتأتى له من بعيد، استبد به الذعر فى غشاوة الليل الدامس كطائر يحاول أن يعثر على عشه فى العتمة، تراءى له القمر مشوه وعيناه جاحظتان، وأن السماء لها أنياب، كالنار المضرمة فى الرماد. حاول أن يدارى جرح الأيام، أحس بعوسج ينضج فى حنجرته يجرحه و يدميه، من فوق السقوف كانت العروق المعدنية تلمع، كان الماء يرشح فى صمت من جدران المنازل يروى الطحالب والنباتات المتسلقة، سمع صوتًا فى أعماق قلبه يهتف به: ما هو سر الجرح ؟

لماذا يثقلك الهم ويستقطر دمعك ؟ أين بدايات الطقوس ومنتهاها ؟ من الذى أسقط شلال المطر وجعل الريح عاصفة ؟ ما أن اقترب من منزله بدا بالغ الضآلة وهو يعبر عتبة الماضى الذى يثقل كهله ويمرمر أيامه الحاضرة.

عاد إلى البيت كحب خرج إلى الشارع يبحث عن نسيم شارد لا يعرفه فتعثر، أزاح معطفه من على كتفيه ووضعه على المشجب، جلس على الكرسى بجوار باب غرفتها، كانت عيناه مثقلتين بالتعب، تثاءب، حاول النهوض لكنه تعثر، يجب أن يستجمع شجاعته ويتعامل مع هذه الأمور غريبة الأطوار بالنسبة له كما لو كانت طبيعية ومعتادة، نظر إلى وجهه فى قطعة المرآة المعلقة على الحائط المقابل لغرفتها، كان شعره منكوشًا و ثيابه متسخة وظهره منحنى ووجهه مجعداً، كان كل شىء فيه قديماً كأنه قادم من زمن غابر، رمق إطار المرآة الذى تشقق لونه النحاسى، شعر أن سنوات طويلة حزينة مرت عليه، لقد باعد ما بينهما الجفاء، كان هو بينهما يقربهما، يروض الغضب ويكسر حدة الشجار، كرست نفسها له وغرقت فى عالمه، كان يقاسمها الهواء الذى يتنفسه، كانت تستمد الحياة من تربية هذا الطفل الجميل المتوقد حيوة و ذكاء، ها قد مر أكثر من سنة على رحيله وما زالت تدخل حجرته كل يوم، تفتح النافذة ليدخلها الهواء، ترتب فرش سريره، ترقد عليه تشم رائحته، تتحسس حقيبته فى خزانة غرفته، مكتبه وأدوات زينته، بطاقة هويته التى صارت رقماً طويلاً على ورقة ملونة، ما زالت ترى طيفه يعبر الغرفة أمامها، يصيح، يناديها، تسمع حفيف خطواته، رحل و ترك روحه خلف هذه الجدران، طرز ضحكته ومشاكسته كطفل وصبى على جسدها رسوما وأزهارًا، فى أوقات كثيرة كانت تحس بالمخاض يأتيها وأنها ستلده من جديد، غلفها الحداد وأكلها.

كان يتمنى أن تشعر هى أيضا بمقدار الحزن والأسى الذى سببه له فقد ابنه، لم يكن يفعل شيئًا إلا الجلوس خلف النافذة يدخن، يبحلق فى السماء لساعات طويلة، ثم يعبر الردهة إلى غرفته، يذهب إلى المنضدة المواجهة للحائط يبحث فى وسط الأوراق المبعثرة والكتب عن قلم، يأخذ ورقة بيضاء، يخط عدة كلمات، يردد نفس الكلمات كل يوم: يا من كنت يوما ساحرى، أنفاس هوائى، نبضى ونور عينى أضرع إليك أن تأتى إلى فى الحلم، كطيف يعبر فضاء قلبى، عد إلى بعينيك النجلاوين المتألقتين، بطفولتك الهادرة، ابتسامتك البريئة، بصورتك المزهرة، وبعد أن يتوقف عن الكتابة يرتدى ملابسه بسرعة، ينزل إلى الشارع، يهيم على وجهه، يحدق عابسا فى وجوه المارة، كان ينحنى ليلتقط أعقاب السجائر الطرية التى قذف به المارة فوق الإسفلت ثم يلقيها فى أول صفيحة قمامة تقابله ثم يمشى، كمن يرى جنازة فيطأطئ رأسه احتراما، خاشعا أمام الموت، فقد وجهه أضاعه بين وجوه كثيرة مغيبة، وعندما يحل المساء يرجع أدراجه، يقف أحيانا تحت ضوء المصابيح يتمسح فى ظلها، يرتفع صوته وهو يدندن لحناً حزيناً تاركا دموعه تنهمر فيغسل ملحها شفتيه، دخل إلى الغرفة نظر إلى السرير لم يجدها، لم يكن هناك إلا خيط فضى من شعاع القمر منسكب على الفراش، خرج يبحث عنها كانت الطرقات زلقه بسبب الوحل، مشى، سلك طريقا محاذيا شاطئ النهر كانت الصخور المنتشرة على ضفته ينبت بين شقوقها الأعشاب والنباتات البرية، حين بلغ المكان الذى اعتادا أن يتقابلا فيه فى شبابهما، أبصرها جالسة على قطعة حجر رمادية ملامسة لسطح الماء، حاول أن يتحرر من الخوف الذى يسرى فى كيانه، أن كل قوته تتجلى فى تحمل العذاب، سجد عند قدميها، وهو مثخن بالجراح، أدام إليها النظر، لمح فى شفتيها رجفة مست شغاف قلبه، تمتم لها بكلمات لم تسمعها فصوته واهن ضعيف، أرهقه صمته الذى لم يعد يحتمله، هزها بقوة، تكلمى تكلمى أرجوك، لم أكن أحب سواكما أنت وهو، فهو ابنى، كبدى، لكن ما حيلتى والريح الهوجاء عصفت به وقتلته، انتظر أن تشعل كلماته النار فى أحشائها، لكن ذلك لم يحدث، كانت أنفاسها الوجلى تتقافز من بين ثنايا صدرها، فما زال على باب قلبها علامة كفه ملطخة بدمائه فكل مهوى من مهاويه جحيم، ماء ونار وتراب، قررت أن تتحرر من محبسها البعيد و مصاهرة الموت.

جاء صوتها كشظايا الألماس فى الجرح:

"تقدم بى السن الآن ما عدت بقادرة أن انحنى لألتقط عمرى، أوغل الزمن فى المسير، فى الليل الخاوى من النور تموت القلوب و تنزوى، لو كان الأمر بيدى لمت ميتة لائقة فى حضن القمر.

كل ليلة أسمع نداءه المذبوح فيتآكل كبدى، لماذا اختاره الموت هو بالذات وهو فى ريعان الصبا؟ لماذا أسفر الموت عن وجهه الخفى فى الظلام وسقانا كأسه المر الأسود؟ كم تمنيت أن يكون يومى قبل يومه، لقد مات جذرى، وتدى فى جنح الظلام، نزعوا ألحان أنفاسه وطعنوا به روحه.

كنت أنشد ذاتى فيه أتذكر تلك اليدين اللتين داعبتا وجهى ودغدغتهما بشفتى، كبر كبرعم زهر تفتح ثم ذبل فجأة بدون استئذان، حجر روحى تفتت، أرفرف كالطير الذبيح، كالسمكة الجريحة، كف وجيب قلبى، لم يعد الليل هو ذاته، هناك ليل أخر ينشر سدوله بظلمة مختلفة، هوت اللطمة الغادرة من الأعالى، فككت جدائل الزمن ومضت.

هناك فى ظلمة الوحدة فى أعماق لا يسبر غورها أحد حيث يقبع الحزن والبؤس والشر معًا، تجلى الشيطان أمام عينى عصفورًا أخضر تلفح ببريق أجنحة النجوم حين حاولت أن ألمسه، أصابتنى رعشة شهباء واستحال ذراعاى ثلجًا و جسدى إلى قطع من شظايا شجر دغدغه المطر، لوح لى وعندما هممت لألمسه كان بلا وجه، لم أكن أعرف أنه يحمل معه السر الكبير، وكان كل شىء معرضًا للتآكل بعد انحسار النور عنه، تمر نجوم السماء الليلية منكسرة واهنة ضعيفة ويمتنع الفجر الرهيف عن البزوغ، ويأتى الحزن كشوارع مترامية الأطراف لا يسمع فيها إلا صرير البرد".

على الصخرة المقابلة ظهر كلب أسود أخذ يزوم، ينبح ويعوى، نظر إليهما و جلس بدون حراك، فجأة تكورت كفرخ حمام صغير، غامت عيناها و ظهر بياضهما مالت برأسها على كتفها، انقبض قلبه، أشتدت كثافة الظلام، شعر برحى تكسر عظمه ولحمه، أمسك بيدها الطرية أخذ يتحسسها فى ذهول، حملها بين يديه ومشى بها، اندفع يجرى و يجرى، أخذ يوولول ولولة المكلوم، لم يكن يسمع شيئا ولم يكن يرى سوى السواد، كان الماء ضريرًا والعطش أصم، انخرطت الصخور الصلدة فى البكاء، انتحبت أشجار الكافور على ضفتي النهر، غطت الدموع جذورها فترقرقت، لف النهر رجفة بائسة واختنق زبده. مشى طويلا بها فى عمق النهر الذى بدت مياه راكدة فى هذا الظلام الدامس، انبثق شعاع من ضوء القمر وتناثر على سطح النهر تاركًا زوبعة من الضوء كبيرة على دوامات الماء التى أبتلعتهما، خبا لمعان الضوء ومن بعيد آتى نشيج حمامة تبكى فى جنح الليل.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز