عزة كامل
ودعتها البهجة علنًا وأصاب رأسها نزيف سجنها فى غيبوبة بين الحياة والموت، أغلقت نوافذ قلبها المشرعة، منعت شهوتها، قتلتها، سكنت الحزن، حاولت أن تقاوم، تستبدل الذاكرة بأخرى وإذا بها تقفز فى وجهها كوحش مخيف موجع، ينخر من الداخل.
لقد أطلق الموت النار عليها فأصاب جزءًا من كلها، تمرغ فى حماقة ذاكرة مريرة، لكن طبيعتها التى جبلت عليها والتى أورثتها لها أمها، وهى حب الحياة والتصالح مع الأشياء، والعالم الذى يحاول القدر أن يقتنص منه السعادة، جعلها تحاول أن تتغلب على هذه النار، بعد سبع سنوات من رحيل زوجها وحبيبها حاولت أن تعطى ذاكرتها منعطفا جديدًا، ذاكرة تقفز من أزقة ودهاليز تظهر فيها كل الوجوه التى أحبتها وستحبها، أزقة تقتل فيها الغربة والقهر والحرمان الذى عشعش داخلها.
ستكون أوراق مفكرتها مختلفة، أوراق تستحق الدهشة والاحترام ستتطاير من بين سطورها المواعيد واللقاءات، رائحة الخبز والرغبات الجامحة للاستمتاع بالحياة، ومشاريع الأحلام.
سبع سنوات، وهى محبوسة فى لوحة يغمرها الغبار والظلام، تنتظر يدًا حانية تمسح عنها هذا الغبار والظلام وتضعها تحت الأضواء، فتدب الحياة فيها وتخرج أنثى لا تنقصها رتوش الفرشاة الأخيرة ولا تحرقها جمر الألوان.
أرادت أن تضع نهاية لحبسها فى إطار اللوحة، تريد أن تغادر هذا الإطار الذى ربما أغراها بسكونه وعزلته، يستيقظ البركان النائم، ينفض عنه تثاءبه ويقذف حممه النائمة ليصهر القلوب.
ستكون هى المرأة التى ستترك ذاكرتها ورائحتها القديمة لترسم على لوحة بيضاء ذاكرة جديدة، ستكون هى اللوحة والذاكرة وفرشاة الألوان، تتوق إلى تلك الدهاليز السرية التى ستمنحها فضاء لم تطأه قدماها من قبل، تودع فيها مفاتيح ذاكرتها وبرودة جسدها وتفاح خجلها وتغرق فى العسل والشهد واللبن.
ستدعو الأصدقاء إلى بيتها الذى كان قبل فجيعتها لا يخلو من الحفلات ويحتشد بعشرات الأصدقاء. ستحتفل معهم برأس السنة الجديدة.
دخلوا يسبقهم ضجيجهم وذاكرة من الماضى تتلوى على وجوهم وتهرول أمامهم، كادت لا تميز ملامح بعضهم لأن ردحًا طويلا من الزمن كان قد مضى منذ رأتهم فى آخر حفلة هنا.
تطلعت إليهم فى دهشة، تتأمل خيوط الدخان المتصاعدة من سجائرهم، تشم رائحة عطورهم النفاذة، يعبق الجو برائحة قديمة أوشكت أن تنساها، تفتش عيناها عنه بينهم، تتمنى لو ترى طيفه، تمطر دموعًا ساخنة، دموع التذكر، صور قديمة، بقايا شموع، كئوس فارغة، أطباق وملاعق وبقايا أطعمة، قبلات وأحضان دافئة، سكر وبكاء، ألوان، حلى، أصوات تعلو بصخب. أنخاب وتمنيات، وابتسامات أنيسة على شفايف مرتجفة.
تلاشى كل ما حولها، انزوت فى ركنها الخافت تحاول أن تضغط خيالاتها التى أعادت إليها حنينها الأول وذاكرتها الأولى التى تقطع أوصالها وطاقة حب شفافة تتصفحها على مهل.
تسمع حركة خافتة، تلتفت إلى الوراء، تنظر حائرة، يحدق فيها أصدقاؤها يهمسون إليها بصوت حنون، توشك على النهوض، تمسك بها يد تبقيها جالسة يهمس فى أذنيها:
أعرف مقدار حزنك... نحن جميعًا نفتقده... لم تعد الحياة حياة بعد رحيله.
يضع يده على كتفها... يربت عليها، يطبع قبلة على خدها... نحن نحبك... أنا أحبك... أعشقك.
تحدق فيه بعيون غائرة وبشرة شاحبة... لا تراه، لا تسمعه، تدير ظهرها وتتركه، تهبط الدرج الخشبى... تسير تجاه الحائط، ترى صورتها معه والألفة والحب يشعان من وجهيهما... من روحهما، يطل وجهه من الصورة مثل نهار رائق، بسيط و آسر.
لقد اختزنت زمنًا لم يبق فيه شىء سوى الصور.
يا الله... لما توقفت محطات قطارهما... لما لم يمضى القطار أبعد من ذلك.
أغمضت عينيها لبرهة من الزمن، تحاول أن تلملم شروخها... انتبهت على صوت الباب يغلق بشدة، لقد غادر أصدقاؤها... خيم على المنزل هدوء... كهدوء الحزن الذى تخثر فى قلبها.
عام مضى وعام جديد أتى، ولم ترفرف عليها بهجة حتى ولو خافتة... الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، تعلن انكشاف الزمن... زمن لوعتها ووحدتها التى تجعلها تسلم بالهزيمة وتستسلم لليأس، توقفت عن حوارها الداخلى كأنها تبحث عن هدأة النفس... تريد أن تحرر نفسها من وطأة الحزن وهذا الظلام الدامس الذى يلف روحها، تريد أن تهاجر ذاتها لتحل محلها أخرى...
قطع استغراقها... رنين جرس الباب وطرقات خفيفة وأصوات وهمهمات هادئة...
فتحت الباب، دلف مبتهجًا برؤيتها وخلفه ستة أشخاص من الرجال والنساء، ارتمت فى حضنه، كان للمسة صدره حنين لا يقاوم.
شع وجهها جمالا خاصًا، نضحت عيناها حزنًا ساحرًا وفاضتا بالحنان، احمر خداها وتمتمت بكلمات عذبة:
- آه ما أجمل هذه المفاجأة
هفا قلبى إليك... ولم أجد مفرًا من اقتحام عزلتك ووحدتك... صديقتى، اخلعى رداء أحزانك، دعينا نمرح... فالحياة تستحق أن تعاش، أعرفك بأصدقائى.
ثلاثة رجال و ثلاث نساء... عشاق ومحبين للحياة.
دخل صخب الحياة الجارف فجأة من بابها الذى أغلقته منذ زمن، وتأرجح بين الممكن والمستحيل وتمدد بين الصحوة والمنام، انفجرت داخلها شلالات شوق وحنان، لقد أيقظ حضوره أنوثتها، وجعلها امرأة استثنائية، امرأة فوق العادة، قالت والأمل والفرحة يشعان من عينيها:
- هذا كثير على
قال وهو يأخذها من ذراعها:
- حبيبة قلبى... صديقتى.. أما آن لقلبك أن يستريح ويغلق شباك أحزانه، أعلم أنه صعب أن نشفى من ذاكرتنا أو نمحو ما يؤلمنا منها... لقلبى كما لقلبك أحلام.. فدعينا نحلم سويا.
لم تفاجئها كلماته بقدر ما فاجأها أنها كانت تفكر فى نفس الشئ منذ لحظات، لقد فتحت الآن نافذتها ودعته للدخول. كان فى نحو الخامسة والستين من عمره، وسيمًا، مازال جسمه ممشوقًا... يحافظ عليه، يمارس الرياضة يوميا، عيناه زرقاوان، ووجهه به تجاعيد تشبه تجاعيد رجل فى الخمسين، لم يكن مظهره الخارجى وملامحه تبوح بعمره الحقيقى، هى توشك أن تكمل السابعة والأربعين، رشيقة موفورة الحيوية، حنونة ودافئة، كانت تربطها به صداقة حديثة ظلت رهن التكتم.
قال متهللا بشاشة و بهاء:
- سنفعل ما يعن لنا الآن... أحضرت لك موسيقى هادئة... لكن قبل ذلك دعينا نشرب نخب العام الجديد.
صب الكئوس... شربوا نخب العام الجديد... وألقوا بأمانيهم فى الأثير.
همس فى أذنيها: ليكن عامًا تنهلين منه السعادة والحب.
رقصا معًا... جلجلت ضحكاتها فى المكان... غمرتها السعادة التى أتتها كوشوشة الحلم... احتستها ببطء لعل ذلك يروى ظمأها المحموم نحو الحب... شعرت بحفيف أنفاسه الناعم تلامس عنقها فاستسلمت لهذا الدفء الجارف وتمنت أن تبقى أسيرة هذا النسيم الخدر الذى انتظرته طويلا.
أخرج من جيبه علبة زرقاء مخملية... قال لها:
عيد سعيد...
فتحت العلبة، وجدت فيها سلسلة بها قلب صغير... أمسكتها فى يدها... ألبسها إياها... وبصوت به نبرة شجن:
- سأغادر غدا إلى لندن، سأمكث هناك بضعة أيام لحضور مؤتمر.
قالت وهى تذوب رقة... وتحاول أن تخفى ضباب دموعها:
- سوف أشتاق إليك كثيرا.... سأطمئن عليك عبر الهاتف من حين لآخر.
- لا تتعبى نفسك سأهاتفك أنا.
مددت له يدًا مرتعشة وأكملا رقصهما. كان لرائحته عبق سحرى جعلها تنتفض. ودعها بقبلة رقيقة على خدها.... شئ ما جعلها تتشبث به، لا تريده أن يغادر... تريد أن تغوص فى جسده، تشعر بدفئه... لم تستطيع كبح جماح قلبها... ضمته إليها بقوة، اختلست قبلة من فمه... لمحت حزنًا صافيًا فى عينيه.... احتواها بدعة وحنان، ومسد وجهها بأنامله المرتجفة:
- سأعود إليك قريبا.
تحدثت معه فى الهاتف مرات ومرات.... كان صوته يزلزل أعماقها، ويمسح عطب السنين. فى آخر محادثة شعرت بصوته واهنا ضعيفا... طمأنها على نفسه:
- إنها وعكة طفيفة وسوف تزول.
شعرت إن صوتها ينفصل عن جسمها، عجزت الكلمات أن تعبر عن ما يجيش فى قلبها وخاطرها، سقطت السماعة بتثاقل من يدها و اعتراها خوف مفاجئ، إنها تريده... تريد هذا الرجل الذى بدأ يقاسمها ذاكرتها، بل يرسمها معها، يرسم أحلامها و ينفخ فيها الحياة. لماذا تشعر أن هناك شيئا ما يريد أن يلطخ هذه الذاكرة... يريد أن يحطم أحلامها... يحطم الحب الذى تسلل إلى فرشاتها ودرجات ألوانها ويلعب بالظل والضوء محاولا أن يسرق من عمرها الهارب لحظة حب.
فى تلك الليلة لم تنم ... انتابتها الهواجس، ارتج هدوئها وازداد وجيبها الداخلى، تأجحت النار فى أحشائها، عصفت ريح الخوف بقلبها، أحست أن هناك موجة عاتية قادمة، لا تعرف كيف ستخرج منها، عبء مرير يجثم على صدرها، كبر هذا الإحساس فى نفسها، فتحت النافذة، لم تجد إلا ظلمة مطبقة، شعرت بالاختناق وبرغبة طاردة للخروج، نزلت إلى الشارع الخالى، لا تعرف إلى أين تقودها قدماها، أخذت تركض، يضربها الهواء الليلى المشحون بالتوتر والأضواء الخافتة تدلق أشعتها على جسدها المرتعش راغبة فى التحدث مع أى صوت إنسانى، أى صوت، تريد الوصول إلى أى باب تطرقه، أى فتحة جدار يطل منها وجه أو جسم صغير.
وجدت نفسها أمام باب أحد أصدقائه... قوة حدسها جعلتها تضغط جرس الباب... كانت المفاجأة... أن الباب فتح فورًا ... تطلع إليها الصديق وكأنه يتوقع مجيئها ويعرف غصة السؤال فى حلقها الذى يتمنى ألا يأتيه الجواب الذى يرعبه، و كمن ألقى حجرا على سطح نهر ساكن، سقط الخبر الذى كان مستترا وأعلنه فى وجهها:
- لا أعرف ماذا أقول لك... مصابنا فادح، البقية فى حياتك.
بحركة لا شعورية نزعت السلسلة من صدرها، انفرطت، سقطت على الأرض، سقط ثقل ذاكرتها، اختلطت الكلمات، تمازجت، توحدت، صارت كلمة واحدة... العزاء، الشر الذى انتظرها وينتظرها، تحجرت كالمومياء، تبخر ماء روحها وتكفنت بذاكرة الجرح.... استدرجتها دهاليز الذاكرة وشهوتها السرية، أصبحت الشاهد والشهيد، وتسمرت كلوحة فى إطار جديد غاب عنها رسامها.