الكاتبة الدكتورة عزة كامل
كان الجو فى الخارج حارًا وضبابيًا، جلست أحتسى الشاى، أحسست فى داخلى بقلق غريب وضيق يجسم على صدرى، فجاءنى السؤال التالى: ماذا فعلت لكل هؤلاء النسوة البائسات اللائى تدافعين عنهن؟ هل مازالت تناضلين من أجل المساواة؟ أى نساء تدافعين عنهن وأى قضية؟
لم أجد إجابة محددة على كل سؤال.. احتسيت ما فى الكوب دفعة واحدة ونهضت من على الكرسى وبخطوات سريعة اتجهت نحو غرفة ابنى ووجدته يغط فى نوم عميق، توجهت إلى حجرة ابنتى لم أجدها، انخطف قلبى، أدركت بعد لحظات أنها تنام فى بيت خالها، انتابتنى رغبة عارمة من الفرح والحزن، لعل الطقس هو السبب.
بعد مرور وقت قصير ارتديت ملابسى بدون حماس، كانت أشعة الشمس قد بدأت تغمر غرفتى، نظرت لوجهى فى المرآة لقد بدأت التجاعيد تشق طريقها إليه باستحياء، أطلقت تنهيدة عميقة.. انتبهت على صوت رنين الهاتف، جاءنى صوتها دافئا ومتحمسا، أنا "دينا"، أنتى بتعملى إيه دلوقتى، أجبتها سوف أذهب إلى مكتبى لأنكب على عملى الذى لا ينتهى.
قالت: تروحى تزورى سجن النساء؟
قلت لها: ألن تكفى عن المزاح فى مثل هذا الوقت المبكر من الصباح؟
أقسمت بأنها تقول الحقيقة.. قلت لها: طبعًا، دى أمنيتى منذ زمن بعيد.
اتفقنا أن نتقابل بعد ساعة فى مكتبها لنتناقش فى الأمر وكيفية إتمامه.
بينما كنا نحتسى القهوة، سمعنا طرقًا على الباب، دخلت إحدى صديقاتنا التى لم أراها منذ خمس سنوات، لم أتعرف عليها فى البداية فقد زاد وزنها بشكل مبالغ فيه وتهدل جسدها، وانحنى ظهرها، عقدت الدهشة لسانى، سلمت علينا وجلست صامته، حاولت دينا أن تكسر هذا الصمت بسؤالها عن أحوالها وصحتها.
فهمت ما جرى لها.. هجرها زوجها وطلقها دون أن تعلم، وفضل عليها أعز صديقاتها، كسر أنفها وكبريائها.
بدون وعى منى عبثت أناملى بأوراق الكتب التى تناثرت على الطاولة أمامى، كم تمنيت أن تمطر الدنيا فى هذه اللحظة بالذات وتغسل وجه صديقتى التعس، وعينيها اللتين سرقا منهما الفرح، وأن يبعد الليل الذى حط على قلبها قبل ميعاده، تمنيت أن أمسح من عينيها ألم الانكسار.
آه يا وجع القلب، حاولت أن أفيق من هذا الكابوس بعد أن ودعتهما، شعرت بأن جسدى يضيق على، نزلت الدرج مسرعة، الشارع مختنق بالسيارات والناس، تابعت السير بشكل عشوائى إلى أن وصلت للسيارة حيث ركنتها.
فى صباح يوم من أيام شهر أغسطس والشمس تحرق كل شيء والأشجار ثقيلة فى حفيفها ، ركبت السيارة التى انطلقت بسرعة تنهب الأسفلت، كانت نسمات الصباح تلفح وجهى وتنعشنى، وراء الضباب الخفيف برزت أسوار السجن شيئا فشيئا، عندما وصلت، أحسست بالغموض يحيط بالمكان فأمام بوابة السجن الكبيرة كان يقف عسكرى مسلح، عندما اقتربت منه سألنى عن بطاقة هويتى والغرض من الزيارة، عندما تحقق من أشيائى، قرع الحلقة الحديدية الكبيرة التى على الباب عدة مرات، فانفتحت بوابة السجن على أخرها وأفضت إلى حوش كبير أحسست وقتها أن هناك هواء ساخنا يتسلل تحت ثيابى وأن هناك طعما مرا يبتلعه لسانى، ثمة شيء ما يشد جسدى إلى أسفل، تتداخل أحاسيس مختلطة إلى قلبى.. للسجن عتامة تعمى العيون، قابلنى المسئول وبعد إتمام إجراءات التفتيش قادونى إلى غرفة الاستقبال التى كانت أرضيتها مفروشة بموكيت باهت اللون ومدهونة بلون أصفر كالح، أنتشر فى الغرفة عدد من الكراسى والأرائك ومنضدة طويلة خلفها كرسى ومن باب الغرفة المفتوح لمحت مأمور السجن قادما من أخر الردهة متوجها صوبى، يتوقف مجيلا نظره يمينا وشمالا بطريقة عسكرية، كان رجلا طويلا، مفتول العضلات، يرتدى نظارة شمس "ربان" ملابسه نظيفة تفوح منها رائحة الصابون، ملامحه ومشيته تتم على أنه فى بداية الأربعينات، له شارب ولحية سوداء وشعر مجعد.
انتفض الحارسان اللذان معى فى الغرفة لقدومه وأدوا له التحية، مد يده بكبرياء وصافحنى وقال لى: "أهلا بالناس بتوع حقوق الإنسان.. طبعًا جاية تفتشى على السجن ".
عرفته بنفسى، قلت له : أنا متخصصة فى حقوق المرأة.
ابتسم ابتسامة ذات مغزى تشوبها السخرية والتحكم: "هو فيه فرق بين حقوق الإنسان وحقوق المرأة ما كلها حقوق".
خلع نظارته، بدت عينيه كعين قط شرس صفراء اللون، أخبرته بسبب زيارتى للسجن ورغبتى فى رؤية إحدى السجينات "أمينة" وأنى أريد أن أذهب إليها بنفسى لزنزانتها، أمتقع لونه، وقال لى: "أحوال السجون المعيشية هنا جيدة جدا ونحن نراعى النواحى الإنسانية للمساجين ونحن ننفذ القوانين ونحافظ على النظام ولا يوجد مسجون أو مسجونة تعانى من أى شيء، لذلك سوف أحضرها لك هنا".
كان على أن أقبل هذا الأمر وهذه الصيغة الرسمية، أحسست بأننى أجلس مع حيوان قبيح ينتظر النقضاض على فريسته، سألته عن عدد النساء فى السجن، ونوعية الاتهامات، كان يجيب على هذه الأسئلة بفخر شديد وكان بين الحين والأخر يختلس نظرة فاضحة إلى جسدى ويبتلع ريقه، كان الإحساس بالقهر والخوف الذى منحنى إياه هذا المكان لا يمكن أن ينسى أبدًا، لقد حفر عميقًا داخل صدرى.
عندما رفعت بصرى إلى أعلى لمحتها قادمة، كانت تمشى بتثاقل غريب وكأنها مخدرة، جسدها يتمايل كعود البان، عندما اقتربت منى صافحتها، جلست بجوارى، رأيت فمها الكبير المثير المضموم، ومحيط خصرها يظهر مفاتن نهديها المشرئبين من تحت ثوبها الكتانى وكذلك ردفاها المستديران استدارة محسوبة، كانت بشرتها ملساء كالزبد اللامع تنتظر وقده اللمس، كانت كالفارسة التى غلبتها صروف الزمن لان جوادها متعب وغير معد للانطلاق.
تخيلت ما يحدث لأمينة كل ليلة عندما يقفل عليها باب الزنزانة مع السجينات الأخريات، كيف يتم إغواؤها كل ليلة، باللين مرة وبالعنف مرات وبالتهديد مرات أخرى، كيف تقتسم الليل بين هؤلاء النسوة المحكوم عليهن بالمؤبد وبسنين يصعب عدها وقد افتقدن لأى لمسة أو فعل حميم، افتقدن الأثواب الشفيفة والوسادة الناعمة والشرشف الذى يحوى بين زبده رائحة الحب، والغرفة التى تتناثر فيها القبلات وتدغدغ الأعناق من فرط النشوة والاشتهاء، تخيلت ما يحدث لهذه المرأة الجميلة مع الضباط ومأمور السجن، كيف يمسك بها ويطوق خصرها.
أفقت على صوت أمينة، شرعت تجهش بالبكاء، كانت دموعها قطرات قليلة فى البداية وعيناها محملقتان ثم تحولت الدموع إلى شلال متدفق، صاحبه نشيج مكتوم ما لبث أن تحول إلى صرخات غاضبة، خيل لى أن الأرض احتضنتها وبكت معها، من الذى يستطيع أن يبكى بمثل هذا الألم، أنها دموع امرأة تشعر بالظلم والهزيمة وتوقن أن بؤس العالم كله هو بؤسها، كنت أراقبها وهى مسترسلة بالبكاء، حاولت أن أمنحها شيء من الطمأنينة والدعة مددت لها ذراعى، واحتضنتها أخذت تشهق كطفل صغير ضيع أمه فى زحمة المكان وفقدها للأبد، بدأت تهتز ذات اليمين وذات الشمال، إلى الأمام وإلى الخلف وتتمتم بكلمات غير مسموعة، وضعت يدى على فخذيها وهززتها بقوة، وقلت لها: "أمينة أفيقى، جئت لكى أتكلم معك، أسمع قصتك بدون رقيب، لا تخافى فأنا إمرأة مثلك، أتوسل إليك أن تثقى بى، لم أجيء إلا من أجلك".. غير أنها كانت فاقدة الهمة وهائمة فى عالم أخر، أخذت أكرر كلماتى إلى أن صفيت نظرتها وظهر شعاع حزن ألق فى عينيها يوشى بأنها أطمأنت لى، أحسست بها تتمدد، تنكمش، تذوب تفقد بريقها عندما تتذكر لؤم الزمن الذى عصف بجسدها وألقى بها فى مرآة قمر غادر وحجب عنها حب هرب فى لحظة جبن، كانت كمن تبحث عن حنان غامض وبهجة منسية بلا جدوى، أنهكها الظمأ وشاغلها الجحيم، تآمر عليها الصمت والأصوات والظلال المتراقصة فى عصف الريح، لقد مشى عليها الزمن والظلام فأنكرت نفسها وتوقف قلبها، مات الحب على ذراعيها وغفا وتقطر الدم من جسدها المتمرد، صوتها الشجى يغنى وحدتها، يتلوى ويضطرب فتتبعثر جذورها وتتحطم على أرض الطين.
قصت حكايتها، كانوا يطلقون عليها "ساحرة الرجال" رغم كونها خجولة تستحى من النظرات التى تنغرز فى لحمها ومن الغزل الرقيق والشرس، أحبت ابن عمها، عشقته، تربع على مدى أمواجها، كبر العشق فيهما كالنخيل، كان له صديق يأتى معه من حين لآخر إلى بيتها، كانت نظرته لها جارحة، يلتهم فمها ونهديها وجسدها كله، وحين يتسنى له أى فرصة للانفراد بها، يحاول أن يتحرش بها، زجرته، نهرته، وبخته، حاصرها مرات ومرات، لم تجرؤ أن تبوح لحبيبها بأمر هذا الذئب.
وفى أحد الأيام استفرد بها، كان يفوح من جسده رائحة الجنس والعنف، هجم عليها، مزق ملابسها، أخذت تقاومه، ركلته، عضته، صرخت بأعلى صوتها، كتم أنفاسها، صفعها على وجهها، حاول الإمساك بفخذيها، ركلته بقدميها فى عينيه، فلتت منه، هرولت إلى الباب فتحته، فرت، أسرع وراءها، حاول الإمساك بذيل ثوبها، لمحت أمامها أحجارًا كبيرة ملقاة بعشوائية، قررت: "سأدافع عن نفسى حتى الموت".. أمسكت بحجر كبير، قذفته نحوه أصاب رأسه وسقط مضرجا فى دمائه، أقتربت منه، بدا أن الجسد الراقد أمامها قد صمت إلى الأبد، أطلقت صرخة مدوية، شعرت بان كل شيء يدور، هبطت إلى أعماق الأرض، أرتفعت إلى عنان السماء، أمست كخيط من النار معلق بين السماء والأرض.
هجرها حبيبها رغم أنها كانت تريد أن يكون جسدها له هو فقط تجعله مأوى ودفئا وعشا ونارا يتلظى فيها جسمها، تخلى عنها أهلها ووصموها بالعار، ارتعشت شفتاها وجسدها وزادت رعشتها، كانت كمن يستحضر مشهد، تتأمله وتسترجعه وتحاول الفكاك منه، وعندما يزداد إيقاع كلمتها، يصبح لصوتها ملمس وشكل ورائحة، كان يجتر خلف لعابها خزى الأيام، زاد الثقل على كلماتها، ضاق بها المكان، أرخت أهدابها فى انكسار شفيف، كانت تحاول ارتجال صمتها فيقلقها خباء الظلم، أصبحت كزهرة صبار تعيش بلا ماء يكفيها قطرات الندى وما تجود به غيمة قد تأتى أولا تأتى بالمطر، صنعها الحزن وارتدته.
كم يرتعش جسد هذه الفريسة تحت ثوب مملوء بالشوك ومزين بالأساطير والأخطار المبهمة، تزأر، تشهق، تقاسى العذاب، عبثا حاولت أن تبعد الشر وتروض الغموض الحيوانى، لكن دون فائدة، نبت لها أذرع أخرى وعضلات قوية، خاضت صراعا، لم تستطع إخضاع الوحش، هزم جسدها، استخدمت الحيلة وقتلته، أصبحت ضحية غارقة فى خميرة الحقد والعرق الساخن، يا لنظرتها المنتفضة، نظرة بين الموت وفوضى القدر المشئوم، على الحائط يرتمى ظلها، غارقا فى دخان الغضب، يتوارى على مضض، لونها ال برونزى الغامق يشع سحرا وبريقا يستدعى التأمل، تبدو كامرأة مرهقة ومثقلة بذكريات موجعة، كان تألقها القدرى هو سبب تعاستها وروحها الحائرة.
أحسست بقلبى العارى يلمس أشواق السجينات، أشواق التحليق خارج أسوار السجن، ورؤية الطيور والشمس والشجر، أمسكت فى يدى بآلامهن وأحلامهن الحاضرة والمؤجلة، والتطلع إلى الخلاص وكسر جدران الزنزانة والانطلاق والتحرر إلى بوابة العالم الرحب، أردت أن أمحى ظلام الليل والقيد والسجن، ألسنا مسجونين فى حاضر آلامنا وأحلامنا وهزائمنا، سجناء داخل طوق يلامس أحيانا حلمنا المستحيل "الحرية ".
تمتمت: "متى أستطيع أن افتح نافذتى ليدخلها النور وطائر الحلم ورائحة الحرية، لتأتى ذاكرة الريح لتمحى كل أجراس الرعب، فنساء القمر لن يستسلمن سيحملن فوق ظهورهن الحب والخبز والماء وفى أكفهن ترفرف عصافير الحرية التى تقاوم الحصار وتحمل التفاؤل".
انفتح باب السجن من الداخل، عبرت بقدمى اليسرى الباب ثم اليمنى، أريد أن أجرى.. أجرى.. حلقت بجناحى بعيدًا فى السماء باحثة عن إجابة لتساؤلات يعشش فيها القيد، حاملة معى حلم نسوى وعار موت أمينة داخل جدران السجن، أريد أن أحطم بقبضتى ظلم العالم، صرخت بأعلى صوتى، أيها السجانون، إنكم تجثمون على صدورنا، تنخرون أجسادنا، تتلذذون بمرارة العذاب، لكنكم نسيتم أن الحياة تنبثق من الموت وأن مد البحر يأتى بعد الانحسار، أننا نمر كالزجاج عبر أشعة الشمس، وأن ثمار رماننا تنضج وتغمر الدنيا بألق ياقوتنا الأحمر لأننا سر الحياة وسر المعرفة.
عندما ابتعدت عن بوابة السجن أبصرت سربا من الطيور يحلق فى السماء، وطائرا ملونا يقود السرب، بدا السرب كموج رشيق يرمى بزبده على شاطئ الروح، تسللت إلى فمى عبق رائحة زكية ولحنا شجيا عذبا، تمتمت ما أجمل الحرية وانطلقت.
فى صباح اليوم التالى عندما أمسكت بالجريدة لأتصفحها قرأت خبر فى صفحة الحوادث: "وجدت جثة سجينة مخنوقة فى زنزانتها، عمرها لا يتجاوز العشرين، تدعى أمينة.."، انطلقت صرخة منى.. آه يا أمينة.. يا وردة الريح".