الكاتبة الدكتورة عزة كامل
أشجار السرو المعمرة تتدلى أغصانها، تنشر ظلالها مرحبة بأى عابر سبيل، يمتد الطريق مطلقاً زفرات طويلة تتلوى كدخان الضباب فى فجر رمادى. سبع غجريات قادمات من الدروب الضيقة تتماوجن بملابسهن المزركشة، ورؤوسهن المتوجة بطرح من الحرير الملون، المطعمة بالترتر، وفى أيديهن وأعناقهن تتلألأ الخواتم والسلاسل الذهبية المقلدة، بجوارهن رجالهن بجلالبيهم الطويلة يحملون الدفوف والقيثارات، يجرجرون جيادهم السوداء التى تحمل على ظهورها أطفالهم الصغار، ينظرون إلى القمر الذى بدأ يتلاشى مودعاً ليله، يحثون الخطى وفى عيونهم يرقد بوح انتظار وشوق بقاياه مازالت لم تنطفئ، يحملون بعض ذكرياتهم الطيبة والسيئة وأساطير وسير وحكايات الأجداد.
بينما كانت رائحة النعاس تزحف على البيوت، قطعوا النهر ونصبوا على إحدى ضفتيه خيامهم ليستريحوا من ترحال لا يهدأ وسهر دائم وغربة ليس لها وطن أو شمس. فى الليل جلسوا فى الباحة التى تتوسط الخيام يتسامرون حول النار التى يستخدمونها لإنارة المكان وتسوية إناء الشاى، ينداح صوت الغجرية العجوز بسيل الحكايات المتدفق، تارة يتلون صوتها، وتارة أخرى تشير بيدها وأحيانا تقوم لتحاكى المشهد الذى تسرده لكى تهيج النفوس وتجذب الأسماع وتطلق العنان للخيال الرخو أن ينساب، فى نهاية السامر يتثاءب الجميع تثاؤباً بليداً، يتسللون إلى الخيام فى أزواج متشابكة تتبعهم الغجرية العجوز بابتسامة صامتة، متلذذة بشرب كوز اللبن، كابحة لسانها من أن يندلق بسيل من الشتائم الجارحة.
فى الصباح خرجت الغجريات يحملن على رؤوسهن البضائع من كل لون، العطور، البخور، القماش، الكحل وأدوات الزينة والحلى.
وخلفهن الرجال يلقون بأهازيجهم و يسردون حكاياتهم على صوت الناى وضربات الدفوف.
فتحت البيوت أبوابها وتجمهرت النسوة حولهم وأخذ الصغار يصيحون:
(الحلب) جاءوا.
الجدة وبنتها وزوجات أبنائها الثلاثة والحفيدتان يضربن الودع، ويقايضن بأشيائهن غير المألوفة، الذرة، الزيت، القمح.
كانت الحفيدة الكبرى "نجفة" ذات الأعوام العشرين، فتاة فرعاء حنطية ذات فتنة طاغية وأنوثة وحشية وجسم فائر، كالفرس البرية التى تعشق الركض، عيونها تبوح بما يكتمه لسانها، تصيب كل من يراها بخدر محرق.
كانت تعشق الفرس، تسايسها وتروضها و تستمتع بركوبها والركض بها إلى الخلاء بلا توقف.
لا تأنس إلا لجدتها العجوز التى لم تعد تخرج مع بقية النسوة الأخريات لتبيع وتضرب الودع وتقرأ الطالع فجسمها النحيل أصابه الضمور ومرضها أفقدها القدرة على تحمل تبعات الترحال، أما أمها التى كانت فى شبابها فائرة وشبقة، جسدها لا يرتوى و لا يكتفى أبدًا، فقد رحلت قبل الأوان فى حريق التهمها ولم يبق إلا عظامها، تلك الأم الحنون التى كانت مع كل نزقها و شهوانيتها، تغدق عليها بالحب و الفرح.
كم راودها الحنين أن تبكى بين ذراعيها، تمرغ رأسها فى بئرها الفياض بالحب والحنان، اشتاقت لشم رائحتها التى تميزها عن بقية نساء العالم، كم تاقت أن تهاجر روحها الحبيسة وتوقف ترحالها الدائم، وتبحث عن حياة جديدة تنبت فى ربوع الجدب أزهاراً.
كان ابن عمها قواداً محترفاً، خيزرانته تسعى فى جسدها كل مساء، حين يلح عليها نفس الإلحاح اليومى بأن ترتمى تحت جسد أحدهم، فترفض، لا يحميها من لسعات خيزرانته إلا جدتها التى تلعنه و تسبه:
-يا خسيس اتركها فى حالها، ربنا يحرمك من هدأة البال وراحة النفس.
ثم لا تلبث أن تذهب إليها، تحتضنها وتضمد جراحها بقطعة من القماش المبلل، ومن حين لأخر تطل عليها تتفقدها وهى تلهث من ضعفها ومن قلة تناولها للطعام فهى تعيش فقط على كوز من لبن الماعز.
كان ابن عمها يجىء بالرجال الذين يحاولون إغراءها بالمال والحلى، كانت تعبرهم دون أن تكترث لهم، فيؤدى سلوكها هذا إلى استثارة غضبه، فى إحدى المرات حاول أن يرغمها على ما ترفضه و تكرهه، بصقت فى وجهه، لم يتوان من صفعها وركلها، لم يتركها إلى والدماء تطفح من وجهها.
كانت تخرج إلى الخلاء، تركض بين الحقول إلى أن يهدها التعب وتنتفخ عيناها ويبح صوتها، حاولت أكثر من مرة الهرب لكن محاولتها باءت بالفشل، كانت تحلم بالخلاص من براثن هذا الكلب الأجرب، تحلم باليوم الذى تمشى فيه فى جنازته، وأن يأتيه الموت فيجز أنفاسه، كم من مرة أقدمت على قتله وأوشكت أن تبقر بطنه، وفى كل مرة ينقذه القدر، فى إحدى نوبات غضبها المملوء بكبريائها وصلفها، قذفته بحجر صغير شج هامته ونزف دمه منه، اهتاجت وأخذت تسبه وتقذفه بأى شىء تقع يدها عليه، من حسن حظها إنه تركها وابتعد عنها.
عند المغيب، جلست "نجفة" على ضفة النهر بقدها الرشيق، انعكس ظلها المتأرجح على صفحة الماء كأنها قطعة من الحرير تتماوج مع نسائم الريح.
وضعت منديل دامور معقود من أطرافه الأربعة بجوار ركبتها اليمنى، كان "عصم" قادماً من الحقل المقابل لضفة النهر عندما أبصرها، لم يكن يتبين ملامحها بعد، عندما اقترب منها مسه سحر جمالها ولم يستطع أن يقاوم بريق عينيها الساطع وفتنتها الطاغية. قال لها بصوت تشوبه الرقة:
-إقرئى لى طالعى.
فتحت منديلها، ظهرت قطع الودع المخبأة بين حبات الرمل البيضاء.
قالت وهى تختلس النظر إليه بعد أن أصاب سهمه النافذ قلبها.
إرم بياضك وصلى على النبى.
رمى فى حجرها قطع نقود معدنية وصلى على النبى محمد وانتظر أن تقرأ "سارقة" قلبه طالعه وتنبئه بمصيره الذى لا يعرفه.
- جعبتك ملآنة بالغالى والنفيس، شابة وفتحة لك ذراعيها، كلب ينبح يريد أن ينهش الشابة، لكن مجرى السيل سيحرقه، منصور إن شاء الله.
ارتعش جسمه وانثال العرق المالح من جبينه، أمسك يديها وقال لها:
- أشعر إنك طالعى وقدرى المحتوم.
- إذا كنت طالعك، لن يمنعنا أحد.
ذات يوم قررت الخروج وضعت على رأسها عصابة زرقاء شدتها بقوة تاركة العنان لشعرها من الخلف أن ينسدل ويتلألأ كقارب يتهادى على موجه حانية، أخذت تركض بين الماء المنهمر والمتدفق بقوة عاتية، تنتعش من مطر جاء بعد شهور من القحط، وسحب تمر فوق رؤوسهم وترحل بمائها لسماء أخرى متواربة عن أنظارهم، أغدق عليها المطر وارتوت، هطل عليها الغيث غزيرًا، فروض عطشها، عندما هدأ المطر، فكت رباط جوادها، امتطته وخبت تركض على عروق الأرض النافرة، منطلقة صوب الجبال المتوارية خلف الأفق، عندما هجم الظلام، قررت أن تعود أدراجها إلى خيمتها البائسة، ترجلت عن الحصان، مشت بمحاذاته لمحت شبح يترصدها، موازيًا لها فى سيرها، يحتجب خلف أعواد القصب، أخذت تنقل بصرها فى تلك الظلمة المستلقية فى الحقول، ارتدت مأخوذة من المفاجأة فقد كان هو من تخبئ عشقه فى صدرها، بحركة لا إرادية، جرجرها من يدها وطرحها بين أعواد القصب، رعف قلبها كبرعم برسيم أخضر، مد كفه إلى خدها، استيقظ خدرها، فاض فى عيونها شعاع نجم بعيد أزرق، فك أزرار ثوبها، فانكشف تكور نهديها، أيقن أن قدره يجرفه لقاع ليس يدركه، ضاعت بين عناق ذراعيه وبين يديه التى امتدت تعبث بالنهد النافر من تحت الثوب المخملى الناعم، سريعًا ما تخلى عن رقته تحت وطأة جسد يتعرى كاشفاً شهوة مهيأة للالتقاء بالعطش الليلى، كان جحيم نهديها جنته وجسدها ماء المحاياة.
من يومها وهما يلتقيان فى حقول القصب، يغرقان فى حمى جسديهما غير عابئين بالوجود وبما حولهما، يدوران فى دوائر شبقهما وعشقهما الذى يأكل فؤادهما، لقد خالفت عرف الغجر. فكل غجرية تربت وترعرعت على هذا الكلام:
لا تقبلى فم رجل أبدا، فالقبلة طريق العشق، الغجرية لا تعشق لكنها تقدم جسمها ناعمًا غدقاً بالحياة، تبعث فى النفس عشقًا لا يزول، لكنها لا تغرق هى نفسها فى العشق، وها هى تغوص فى نشوة قبلته اللاهبة.
بلاد الترحال مضغت أيامها وأيام نساء الغجر اللاتى يتركن قلوبهن خلفهن دون أن يجدن أحدًا يكفكف دموعهن، يطلقن تنهداتهن ويغنين بصوت شجى مكسور ليعبرن الليل ويتأهلن لغربة جديدة متمنيات أن تكون غربة هنية.
كانت أختها ذات عينين جميلتين واسعتين وأهداب ليلية دامسة، غصن بان طرى يتمايل بزهو، عنقها يتسامق بشموخ، تزم فمها بدلال، تهز خصرها وأردافها بشكل مفضوح قاتل، يتساقط الرجال من الهوى المتطاير من حولها، حاولت أكثر من مرة إغراء عشيق أختها، كانت تعترض طريقه، تراوده عن نفسه بدلال وغنج، تظاهرت مرة بالوقوع فترجل عن جواده ومد لها يده ليساعدها على النهوض، غافلته وارتمت فى حضنه وقبلته فى فمه، ارتبك، اشتعل فى جسمه حمى النار. تذكر أختها "نجفة"، فابتعد بلطف عنها وأيقن أن الغجرية إما أن تحيله إلى بلسم أو شوكة سامة تتغلغل إلى عظامه و لا يبرأ منها.
عندما علم ابن العم بأمر "نجفة" جرجرها من شعرها وربطها فى جذع شجرة ومنع عنها الزاد، وأقسم بأن يتركها تموت، فى اليوم الثانى روع منظرها كل من رآها، فقد كان حول عينيها الغائرة هالات سوداء، ووجهها متجهم ويداها ترتعشان وجسدها متهالك ضعيف، حاولت النسوة فك قيدها المحكم، أدركهن ابن عمها وألقى بها فى الخيمة وأوكل إلى أحد الغجر الشباب بحراستها.
انزوت فى ركن الخيمة المظلم، تنتفض تحت جلدها، فزعت كفزع الطير عندما يصيبه طلق الرشاش، انسابت صور قصص الترحال دموعا من عينها، رأت ظلها ينكسر على الأرض، و قلبها يمعن فى هوس اللحظة، فسرها المسكون توزعه الألسنة جهراً، فتشتعل جمرات الضغينة، احتقن الكلام فى شفتيها ولم تنطق، أخذت تحدق فى الظلام وتقتسم معه حزنها المر.
كان يشعر بالذل كلما تمادت فى عنادها وإصرارها على عدم التذلل له ليطلق سراحها.
جاء "عصم" يطلب يدها فسأله ابن عمها بصوت أجش وبملامح تفيض بالشراسة وشدقه يتطاير زبده:
- أتقدر على مهرها، ثلاثة جياد، ملء ذراعها ذهب.
عندما علم أهل "عصم" بسره واعتزامه على الزواج من الغجرية، ثاروا و حرضوا أهل القرية على هؤلاء "الحلب".
فى ليل بلا قمر خرج رتل من الناس عن بكرة أبيهم من كل نجع وزقاق، من العشش المترامية على الطريق ومن الأوردة المتشعبة، كانت الأجساد تلفظ روحها عبر كلمات حارقة من حلوق جافة، نظرات زائغة، عرق متصبب، رجال و نساء، عجائز وأطفال، يجرون أرجلهم الثقيلة بعيون محملقة تبث دهشة وحقدًا أسود، يحملون فى أياديهم مشاعل، همهامتهم وزمجرتهم المدوية ترج الخلاء الذى اشتعل بجذوة هياجهم، اصطفوا فى أربعة خطوط متوازية محكمين الحصار حول خيام الغجر، انثالت الصرخات بين الجموع المحتشدة، صرخات نفوس منكسرة كالجياد الكابية، صرخات لا يمكن إسكاتها أو إخمادها:
- اقتلوها .... اقتلوا الغجرية، اقتلوا الحلبية
كانت الأقدام تهرس بعضها و تموج الأجساد محدثة جلبة هادرة، كان هناك شبح يركض تجاه الدائرة ... كانت هى "نجفة"... فغرت الأفواه وتجمدت الوجوه من الدهشة من هذه المهرة الجامحة، انطلق صوت من بين الجموع:
- من أين جاءت هذه الغجرية ؟
ردت "نجفة" بكبرياء و بصوت لا يشوبه أى اضطراب.
- من جوف العتمة، كما تأتى أشباحكم التى تقلق مضاجعكم، جئت من قلب جحيمكم المستعر.
همزت جوادها، شدت لجامه، انطلقت تعدو فى ركض محموم تاركة دهشة متيبسة على وجوههم.
تخبطت الأجساد وتعالت الهمهمات، وعلى مدى البصر، كان هناك شبح أخر يركض على جواده، يمد يده إلى يد "نجفة" التى قفزت من على جوادها، لتمسك بظهر فارسها وينطلقان مخلفين وراءهما غبرة الطريق وعيوناً جاحظة من قسوة المفاجأة وأفواهًا كل منها يلعن نفسه ويلعن خيبة حياته الشحيحة وأحلامه الموؤدة، وهم يمضغون الظلمة ويبتلعون مرارتهم، يقايضون أحزانهم بفرح لا يجىء.