البث المباشر الراديو 9090
عزة كامل
شاردة أخذت تحتسى فنجان قهوتها الخالى من السكر، وأنا بجانبها أتصفح جريدة "الصباح"، رحت أبحث عن مفتاح سيارتى، وأخذت أمعن فى استدعاء الأماكن التى ربما أكون تركت فيها المفتاح.

أخيراً تذكرت أننى وضعته فى حقيبة يدى، هيأت نفسى للانطلاق، جاهدت للقيام من مقعدى فقد كنت أحس ألمًا وخدرًا ينشر فى عظام ساقى، ركبنا السيارة كان وجهها يشوبه صفاء غريب، قالت لى: "إن شاء الله نجد الشراشف التى أبحث عنها أريد شرشفين أبيضين مطرزين".

التفت إليها وقلت بخبث: "طبعًا تريدين أن يكون فراشك ناعماً ساخناً.."

شردت ورأيت نظرة حزن حاولت أن تداريها ولم تكترث بكلمة.

كم تبدو "ليانا" اليوم جميلة، شىء ما يجعلها تشف صفاء، جسمها بديع التناسق كغصن البان، تذكرت عندما رأيتها على خشبة المسرح أول مرة فى لبنان، كانت تتحرك وتؤدى دورها بحيوية بالغة وبإجادة تامة، حضور قوى وصوت أقوى وهالة من الضوء تشع منها تصول وتجول على الخشبة، لا خوف.... لا تردد، لا تأبه لأحد كأنها تمتلك العالم بين يديها، كان الجميع منبهرًا بها.

بعد الانتهاء من المسرحية، أخذتنى مباشرة إلى بيتها فى وسط بيروت. البيت ذو ذوق راق، ومهيأ للاستقبال اليومي واحتضان الضيوف الذين يترددون فى أى وقت، عرّفتنى على زوجها وأولادها، بنتان وولدان.. اندهشت فقد كنت أتخيل أن لديها صبياً واحدا.. كيف يمكن لفنانة راقية مثلها أن تعتنى بأربعة أطفال وتمارس فنها وإبداعها، بالإضافة إلى أن زوجها مخرج مسرحى مشهور، نادتنى "ليانا": "تعالى.. أنا فى المطبخ أعد طعام العشاء"،

لم يكن في المطبخ غيرها سألتها: "ألا يوجد أحد يساعدك فى أعمال المنزل؟" ردت: "هناك امرأة تأتى فى الأسبوع من أجل التنظيف فقط، أحب أن أطبخ بيدى".

فردت يدها التى بدت ناعمة جداً بالنسبة ليد تستخدم فى إعداد الطعام والتنظيف من وقت لآخر والقيام بأدوار أخرى تجاه أطفالها.

نظرت إلىّ كمن قرأ أفكارى: لقد تعودت على ذلك.. تعرفى أحيانا، نفسى لا أصدق أننى أقوم بهذه المهام دون أن يصيبنى تخلف عقلى أو يجعلنى ذلك أتخذ قراراً بترك "فنى".. لكن إرادتى قوية لا تقلقى.

ضحكت ضحكة هادئة وسألتنى: "تحبى تتعشى إيه النهاردة؟".. أى حاجة؟ أنا أحب كل أنواع الطعام.

بشكل تلقائى رحبت بمساعدتى لها فى إعداد الطعام اللبنانى الذى كنت أجهل طريقة عمله، لكنى فقط كنت أقوم بالتحضيرات الأولية كالتقطيع والخرط والتنظيف والعجن... إلخ، انصياعاً لتعليماتها.

كان الطعام شهياً.. والحديث أثناءه مفعم بالدفء وتخلله تبادل الأفكار والانطباعات حول مناخ الفن المصرى وانعكاسه على الفنون والثقافة فى البلدان العربية... وتحدثنا طويلاً عن التدهور الذى لحق بالمسرح المصرى.

عندما انتهينا من العشاء جلسنا نحتسى الشاى ونستمع إلى موسيقى هادئة.

عندما حان وقت الانصراف أصرت "ليانا" على توصيلى إلى الفندق رغم أن الوقت قد تأخر.. ودعتها وأنا أترجل من السيارة واتفقتا أن نتقابل فى مساء اليوم التالى.

تقابلنا على باب المسرح البلدى.. قلنا فى صوت واحد.. نتمشى على البحر؟

لبحر بيروت رائحة مميزة وزبده يحمل سرًا مغلقًا عليه فقط، وللكورنيش الممتد كامرأة مستلقية مسترخية فى غيمة نعاس خدرة لا تعبأ بعيون متطفليها سحر خاص، إنها بدايات الشتاء، السماء تمطر زخات خفيفة تنعش الوجه والروح، تذكرت بحر إسكندرية وتداعت ذكريات الحب، والمواعدة، والسهر والغناء حتى الصباح مع الأصدقاء والحبيب على الشاطئ المقابل لصخرة بير مسعود، شىء ما يربط شاطئ بيروت بشاطئ الإسكندرية رغم اختلاف جغرافيتهما وتضاريسهما، لقد شاهد الشاطئان قصص الحب والفراق والسهد والعذاب والضحكات والعناق والقبلات، غرقت فى تداعياتى وخواطرى من فرط النشوة التى رمانى بها بحر بيروت، والسلام الذى يشع من وجه "ليانا" والابتسامة التى لا تفارق ثغرها.

نظرت إلىّ نظرة مملؤة بالعطف: "تحنين إلى الماضى.. إلى أيام الصبا والزمن الجميل؟!"

ابتسمت وأغمضت عينى وملأت رئتى بالهواء المنعش وقلت وأنا أتنهد: "وهل يمكن أن ترجع هذه الأيام، أحن إليها بالطبع.. أتذكر تفاصيلها، أشم رائحتها ويغمرني صليل أصواتها البعيدة القادمة من أعماق سحيقة.. إنها هنا.. تسكن قلبى.. ليانا هل يمكن أن نستعيد بعضا من هذه الأيام؟

لا أعرف، لقد كبرنا، شىء ما شاخ داخلنا.. لكن يمكننا أن نستلهم روحها.. فالناس تغيروا، الأصدقاء، الأصحاب، الأزواج، كل شىء تغير، نحن أيضاً تغيرنا، تعرفى الشىء الذى جعلنا نشيخ بسرعة هى الحرب، ملعونة فهى تدهس وتخرب المشاعر والأحاسيس والبيوت والناس.. فما زالت رائحة البارود والدخان عالقة فى أنفى.. إنه أحساس لن يعرفه إلا من عايشه.

نحن لم نعان من الحرب مثلكم ومع ذلك فنحن نشيخ أسرع منكم، المصريون يهرمون بسرعة، لعله القهر والفقر والعاطفة، نعم نحن شعب عاطفى، عاشق للحياة رغم قسوتها علينا.

ليانا لا أتخيل نفسي أعيش خارج وطنى.. لا أعرف سببًا لذلك، عندما أكون خارج حدودها أشتاق للرجوع إليها كالعاشق الذى يتوق للارتماء فى أحضان معشوقته، ويمسى راية ترفرف فى وحشة الغربة، ويصبح الطريق إلى بلادى يمتد.. يمتد حاملا برودة الليالي التي أقضيها هناك رغم أننى منذ أول يوم تطأ قدمى أرضها أبدأ بمواجهة حالات الفوضى والضياع والزحام والتلوث والحصار الذى تفرضه على العيون الحائرة والشوارع المقفرة ووجوه مطموسة كأن ملامحها قد غادرتها للتو، وألعن نفسى والآخرين.. لكنى أحبها.. نعم أحب بلادى.

سماء بيروت فى تلك الليلة يحاصرها بريق النجوم الساهرة فالمكان من حولى بدا كعروس متوجة بهالة زرقاء لامعة، وأضواء المصابيح الملونة تتلألأ من المنازل والحوانيت والممرات والمقاهي وأمواج البحر تداعبنا برذاذ خفيف، نحس بطعم الملح ورائحة أعشاب البحر، نظرت "ليانا" فى عينى، مددت كفى لها، تشابكت أصابعنا وأخذنا نجرى بطول الشاطئ ونحن نضحك من أعماق قلبينا، عندما غلبنا التعب توقفنا نلتقط أنفاسنا ونعب من هواء البحر النقى ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

بصوت فرح قلت لها: "ليانا" حان الآن ميعاد احتساء النبيذ، ضحكت وقالت: "أنا لا أشرب ولكنى سأطلب عصير برتقال ونشرب نخب صداقتنا ونخب لبنان ومصر.. صدقينى لا أعرف على ماذا نتناخب بالضبط لكن ربما ينصلح الحال".

مكثنا فى البار حتى منتصف الليل، جعلنى النبيذ هادئة ومفعمة بالعاطفة، ودعت "ليانا" وودعت بيروت، الشاطئ، الناس، وتركت جزءا من قلبي بين رذاذ أمواجها.

عدت إلى القاهرة وانهمكت فى عملى ودخلت فى أتون حياة عملية كتروس الماكينات التى لا تتوقف.

جاءت "ليانا" بعد سنة إلى القاهرة وها هى الآن تجلس بجوارى فى السيارة شاردة حزينة.

قدت بليانا لمسافة طويلة حتى وصلنا إلى حى الغورية، حيث حوانيت القماش والشراشف والملابس، لم نترك محلاً إلا ودخلناه وطلبنا من البائع أن يفرجنا على أجمل وأغلى ما عنده من شراشف بيضاء مطرزة، كان البائعون يقومون بمهام الفرجة بطيبة خالصة يتخللها كلمات لطيفة ودودة لليانا لجمالها ولأنها من لبنان، لكنها كانت تعتذر لهم فى أدب جم عن عدم شرائها لأنها لم تجد ما تبتغيه، صار الأمل فى شراء شىء ضعيفًا جدًا، تحيرت كثيرًا ما الذى تريده "ليانا" بالضبط وما هو كل هذا الاهتمام بالشراشف البيضاء التى لن تهديها لأحد بل ستكسو بها فراشها، لعله سر يتعلق بعلاقتها بزوجها، لكن ليس هناك شيئًا يدل على أن "ليانا" من هذا الطراز من النساء الذى يفكر كيف يمتع نفسه فى علاقة جنسية ويهيئ السبل لذلك.

قطع شرودي صليل صوت "ليانا" المجلل بالفرح.

ها هى لقد وجدت الشراشف أنها جميلة حقاً، مشينا إلى السيارة و"ليانا" تتقدمنى حاملة الشراشف الملفوفة فى ورق وردى ناعم، اتسعت خطواتها حتى أننى كنت أركض أحيانًا لأحاذيها، دخلنا السيارة جلست وشردت عبر النافذة قلت وأنا أغمز.. "خلاص يا "ليانا" أخيراً ستتحقق أمنيتك".

عندئذ التفتت إلىّ ووجهها غارق فى الدموع، قالت بصوت خفيض.. إنه كفن أبى، نعم كفن أبى لا تستغربى، أمي أوصتنى به، تريد أن يركض بسلام فى شراشف بيضاء مطرزة من القطن المصرى، سيغادر عالمنا بعد شهرين إنه المرض اللعين.

قدت السيارة وأنا فى ذهول مما سمعت، توقفت برهة عن القيادة، ولم أدر إلا وأنا أرتمى فى حضنها وانخرطنا فى بكاء مرير.

قالت بهدوء وهى تربت على ظهرى "إنها الحياة يا صديقتي بحلوها ومرها".

أكملت قيادة السيارة وكراهية شديدة تغمرنى تجاه كل الشراشف البيضاء المطرزة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز