عزة كامل
على البوابة الكبيرة طرقت صفية بكفيها الصغيرتين اللينتين عدة طرقات ونادت:
افتحى يا جدة .... افتحى
جاءت الجدة سكينة تجرر أعوامها الخمسة والتسعين... بعد برهة من الزمن.. أحدث فتح البوابة الخشب صريرًا قويًا... من أنت يا بنية؟
أنا صفية يا جدة بنت محمد ابن بنتك
ابن الغالية.. تعالى يا حبيبتى
أخذتها الجدة من يديها وأجلستها على الحصيرة المفروشة فى صحن الدار.... قالت الجدة: خير يا بنتى ... غلبك شوقك ... أم هناك سر مكتوم فى صدرك وتريدين أن تسرى به إلى؟
أخرجت صفية من صدرها قطعة حلوى وأعطتها للجدة سكينة التى ألقتها بسرعة فى فمها وأخذت تلوكها ببطء.
مالت صفية على أذن الجدة وقالت لها:
حلمت يا جدة فيما يرى النائم.. أنى مستلقية على سرير نحاس .... تتدلى منه ناموسية.. مفروش بحرير وستان أبيض ومرصوص عليه مخدات من ريش النعام، وأكياسها من المخمل الوردى.. وأمام السرير مرآة كبيرة مذهبة .... نظرت فى المرآة وجدت كلبتنا راقدة و فى حضنها ثلاثة من الكلاب الصغار ولدتهم منذ لحظات، كانت الكلاب ترضع منها.
فجأة نهضت الكلبة الأم من رقدتها ونظرت فى عينى.. جرجرت كلبًا من الكلاب لونه أسود مثل سواد الليل وألقته فى حضنى، وإذا بهذا الكلب.. أعوذ بالله يا جدة .... رأسه رأس إنسان وجسمه جسم كلب، أخذ يلعق وجهى ويبحث عن صدرى يريد أن يرضع منه.. أخذت أصرخ ... أصرخ، استيقظت وأنا أرتجف فى فرشتى وعرق بارد يتصبب من كل جسدى.. عسعس الخوف فى أفئدة الجدة.. خبطت بعصاها فى الأرض، وبوجه متجهم وبصوت يتقطر آسى، قالت:
مقدر ومكتوب يا بنتى.. مقدر ومكتوب يا صفية.. زاد كلام الجدة من رعب صفية، ولم تكن قادرة على معرفة خبايا أحاديثها، وقالت والدموع فى عينيها:
فسَّرى أكتر يا جدة.. لا بد من تأخير زواجك.. وإذا تزوجتى امتنعى عن الخلفة.
أصاب صفية الخور، وانطلقت راكضة تتسربل فى خوفها وقدرها الأسود المشؤوم.. تهيم على وجهها وحيدة، وصوت الجدة وراءها يوصيها ويترفق بها.
ظلت كلمات الجدة تطرق فؤادها وتشعل فى عينيها الواسعتين الحيرة والتردد والخوف، وفى أثناء عودتها رأت على شجرة الصفاف الحدأة تحوم، فصرخت صرخة عالية.
ما كادت صفية تطأ بقدميها صحن الدار، حتى استقبلتها أمها بالزغاريد والأحضان.. العرس سيكون بعد خمسة عشر يومًا.
شحبت ملامحها وتخاذلت قواها، لا تريد أن تزف.. لا تريد أن تكون عروسًا.. قالت لأمها وهى تبكى بدموع سخينة: أنا لا أريد.. حااموِّت نفسى لو تزوجت.
الأم أذهلتها الدهشة وهزت كيانها واصطبغت وجنتاها بلون قرمزى للغضب الذى تملَّكها.. انقضت عليها توسعها نهشًا وضربًا، وقالت بحزم: اخرسى يا قليلة الأدب.. تريدى أن تجلبى لنا العار، لو أبوك سمعك حيدفن رأسك فى الطين.
شدتها إلى الحجرة، ورمتها على المصطبة، وقفلت عليها الباب.. توسلات صفية، وتضرعاتها، ودموعها لم تجد فتيلًا.
فى ليلة من ليالى الخريف المظلمة.. عقدوا عليها وزفوها إلى همَّام، بكت الصبية المسكينة وانتحبت وتوسلت إلى همام ألا يمسها أو يقرب منها.. قال لها: ستسببين فضيحة لى.. ماذا أقول للناس؟! كان يحبها.. رق قلبه.. استدار شاحبًا من فرط الألم ولزم سريره مُحطَّم القلب... توسلت إليه ألا يفضح أمرهما وألا يوشى به لأحد.. غلبه النعاس فأطبق جفنيه وغاص فى نوم كئيب.
مرت الأيام وأمه تسأل وتمصمص شفتيها.. إمتى يا ولدى نشوفها حبلى.. إمتى تفرح قلبى يا ولدى؟ من بكره الصبح نذهب للشيخ مصطفى يكتب لها حجاب.
أستغفر الله يا أمى ... الله هو الشافى
سرعان ما تسربت إلى القرية إشاعة غريبة، ما لبثت أن تضخمت وذاعت وقد نشرها أهالى القرية وهم يتهامسون "الرجل عنين" .
اليوم يوم سوق القرية.. ذهب همام ليحضر اللحم و السمن، سمع بعض الرجال يتهامسون وينظرون إليه، ودخل معهم فى عركة.. اصطبغ وجهه ويداه بلون الدم الأحمر القانى.
رجع إلى زوجته، وفتح الباب بعنف.. اهتز نور المصباح الكهربائى الذى يرتكز على منضدة بجوار السرير.. تراقصت ظلاله الحمراء على الوسائد، كان مرجل غضبه يغلى ويطفح على وجهه فى شكل موجات عصبية.. قال فى لهجة سريعة آمرة وهو يدفع من صدره زفيرًا حادًا: لقد جعلتينى أضحوكة بين الناس.. أبرقت عيناها بتوسل حزين: لا تحتقرنى وارحم قلبى المتألم.. اعتقنى.
لا لن أعتقك.. استسلمت له دون أى مقاومة، واستمر يتواثب معها فى السرير حتى الفجر .. بعدها استغرق فى نوم عميق.
فى الصباح كحلت صفية رموشها، وضفرت شعرها ووضعت الأحمر على الخدين.. لما رآها همام و وهو لا يزال راقدًا على السرير تطلع إليها بإعجاب ولذة فقد كان فائرًا بالرغبة.. ضمها إليه.. وأخذ يردد "اليوم عرسنا يا صفية اليوم عرسنا".
مرَّ شتاء ولم تحبل صفية، وأمه تلح عليه بأن يذهبا معها إلى الشيخ مصطفى.. قال لها بغضب لكل زرع وقت حصاد، وحصادنا أوانه لم يأتِ.
خبِّرنى يا ولدى.. أكشف السر والمستخبى ... ريح بالى وبَرِّد نارى
سلامتك من النار يا أمى
قبلت أمه يد الشيخ مصطفى، و كذلك فعلت زوجة ابنها وقبلت هى الأخرى يد الشيخ.
الشيخ مصطفى الضرير، طويل القامة.. فارع العود.. عيناه واسعتان لا تتحركان تبعثان فى محياه تعبيرًا بائسًا يستعطف به قلوب الناس.. أخرج الشيخ من جراب الدامور البخور والمستكة ورشهما على الجمر الذى أمامه فتوهجت النار واستعرت وأخذ يتلو آيات وابتهالات تزيح الغمة وتأتى بالفرج.
يشهدونك فرحًا وأنت حزين
يشهدونك غنى وأنت فقير
يا غفور يا رحيم
رسم الشيخ مصطفى على جبين العليلة صليب من رماد المجمرة.. وكتب حجابا على ورقة صفراء صغيرة وأعطاها لصفية وأوصاها بأن تضعها فى قصعة اللحم يوم الخميس وتأكل هى وزوجها منها وبعدها ستزاح الغمة إن شاء الله.
مرت ثلاثة أشهر، ولم تنتفخ بطن صفية.. فى جنح الليل أخذتها أمها إلى المقابر، وهناك فى الخلاء اجتاحها لهيب من الخواطر، أخذتها نوبة بكاء حادة، قاطعت نشيجها أمها.. وقالت لها: ألا زلت تحجبين حملك؟.. أنا اعرف كل شىء
ماذا يفيد حملى إذا جاء بمسخ.. لقد حلمت إن خِلفَتى ستكون مسخًا، أطفال مشوَّهة.
يا بنتى منع الخلفة كمن يغرس خنجرًا فى رجولة زوجك.. لا عليك يا بنتى.. زيلى الحاجب.
أخذتها أمها من يديها وشقا طريقهما بين القبور إلى أن وصلا إلى الناحية الشرقية، وصلا إلى قبر طينته لا زالت مبللة.. ارتعبت صفية وقالت لها ماذا تنوين أن تفعلى بى.
لا تخافى، أنا اتفقت مع الحارس يحفر القبر ويأتى بجثة الطفل المولود لتتخطيها سبع مرات وأنتى عارية.
قبل أن تعطيها الفرصة للكلام.. كان الحارس قادما من بعيد.. أشارت له بيدها فأتى مسرعًا.. حفر القبر وأخرج جثة الطفل الصغير.
قالت الأم: أمتأكد أنه ذكر؟
حلف لها بأسماء الله الحسنى ونبينا محمد والأولياء الصالحين أنه ذكر ... و أن جسمه لا يزال دافئًا.. أشارت له الأم بيدها إشارة الانصراف فعاد أدراجه بهدوء دون أن يلتفت إلى الوراء.
خلعت ملابسها.. والمقابر الهاجعة الغارقة فى هجوعها تجثم على صدرها و تزيد من وجيف قلبها.. تخطت جثة الطفل سبع مرات، وأمها تتلو فى كل خطوة بعض التعاويذ والأدعية.. بعد ذلك قرأت الفاتحة على روح الطفل الميت.
ارتدت صفية ملابسها على عجل وجرجرتها أمها وركضت بها كالسيف بين القبور حتى خرجا إلى أول الطريق، كان وجهها أشد صفرة من وجوه الموتى.
قالت الأم بلهجة قاسية: الليلة لا مانع بينك وبين زوجك.. استرخى يومين وبعدها اغسلى جسمك بماء النعناع والليمون وعطِّريه بروائح العنبر والبخور الجاوى.
مرت لحظات صمت وهى تحاول استعادة توازنها قالت: الخوف علة تعشعش فى جوفى.
اقتليه يا بنتى.. الخوف كلب ضرير ضال يخاف من ضربة حجر.
تجلس صفية ببطنها المنتفخة أمام النار التى تتأجج فى القصعة وسط باحة الدار وبجوارها زوجها همام الذى اصطبغت وجنتاه بحمرة خفيفة من أثر الدفء الذى سرى فى دمه.. كان يتكلم معها بهدوء، ويشوب أقواله كثير من الرقة والحنان.. غدًا يصبح أبا ويهنئه الرجال.
هطل الظلام بغزارة على القرية النائمة الخالية أزقتها وحقولها إلا من الخوف الضارب فى الأفئدة، وصفية لم تذق طعم النوم، تلتحف برداء الليل الحالك.. تتلوى من الضربات المتتالية فى بطنها والألم يدفع بأنفسها الثقيلة، و يجعل عينيها جمرة متوهجة.
صرخت صفية صراخا يهز الجبال، ويفلق الحجر الأسود، وعين الشيطان.. يجوب صراخها القرية محدثًا دويًا يقطع نياط القلوب.. جاءها الطلق يمزق أحشاءها وقلبها.
جاءت أم إسماعيل الداية من عشتها وسط الخلاء، حملوها على الحمار، كان صوتها ينعق كضفدعة، وعيناها الضيقتان تبحث عن شىء ما فى الخلاء تنتظره.
قالت الداية أم إسماعيل لصفية: اكتمى نفسك وادفعيه للأسفل.. ازحرى يا بنتى.. تحاملى على نفسك.. شدى حيلك.. أنا أحس برأسه بين يدى.
صرخت الداية أم إسماعيل صرخة رعب وخوف.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قالت أم صفية وهى تتراجع خطوة إلى الوراء وتخبط على رأسها:
ارحمنا يا رب.
قالت أم همام وهى تلطم على خدودها: يا فضيحتنا وجرستنا.. وهمنا اللى ما يتلم، يا خيبة نبتك يا همام، يا رايح قول للجاى ويا شاهد قول للغايب.. يا لعذاب الدنيا والآخرة.
همام الذى كان واقفا خارج الباب كان جزعه أكبر من أن يسمع أو يرى.
أمست الدنيا فى عينه غمامة سوداء.
فى غبشة الليل مشى همام مشية السكران.. ساهم الوجه.. مهموم القلب.. مثقل بحمولته وقد غمش بصره غمشا.. ضرب عينيه بكفيه وأخذ يصرخ.
أى خطيئة فعلتها يا رب العالمين لكى ترزقنى بوليد مسخ.. لماذا تريد أن تجعل أيامى سوداء ليل وأنين؟!
قالت الداية أم إسماعيل لأم صفية:
الليل ستار.. اخفى على الخبر ماجور.. أدام الدنيا ماشية بالمندار.. دعينا نخنق المسخ، ونواريه فى التراب ولا من شاف ولا من درى.
ذهبا إلى المقبرة ودفنا المسخ، استكان فؤادهما بعد أن أنسا وحشة القبور.
أمام دار صفية رقد الكلب الأسود ونفش الديك الأحمر ريشه، وقرفصت النسوة تحت الشباك متشحات بالسواد.. ذعر هائل أصاب القرية، فقد تسربت أخبار المولود المسخ إلى مسامع الأهالى، فى تلك الليلة تفوه أهل القرية بأقاويل وحكايات وخرجت النفوس تجرجر أقدامها صوب دار همام.
فى البرارى مضى همام فى طريقه غافلا عن ما حوله.. قال بعض الناس إنهم شاهدوه يجوب القرى المجاورة بملابس رثه.. يتسول.. لم يتعرف عليهم.. وآخرون قالوا، إنه تزوج فى بلد آخر، ورُزق بأطفال أصحاء.
ورهط منهم قال، إنه مات ودفنوه فى مقابر قرية بعيدة عن قريتهم، أما صفية فقد أصابها العمى.. إتلحس عقلها.. تذهب إلى المقابر فى ساعة الغروب تنادى على وليدها المسخ.. تشق صدرها و تصرخ صرخة المكلوم.