عزة كامل
المكان غارق فى دخان الضباب، عيناها متعبتين، يسيل منهما خيوط الكحل المخلوطة بدموع جفت منذ دقائق، ذهبت إلى الحمام، نظرت فى المرآة، وجه متعب، نظرات زائغة قلقة، جسد منهك وقلب مغلق، تفحصت الأشياء حولها بعينيها لعلها ترى أو تجد الشىء الذى تفتقده ولا تعرف ما هو حتى الآن.
ببطء شديد أدارت قرص التليفون وطلبته. جاء صوته مفعمًا بالحزن والألم: "أريد أن أقابلك هذا الصباح"، مرت لحظات لم تعرف كيف تواصل الحديث، أنهت المكالمة بعد أن اتفقت معه على المكان والساعة.
جلست تراقب نفسها. تساءلت لماذا تسجن نفسها فى حلم لا تستطيع أن تلملم ريش جناحها المكسور فيه، لماذا تعود كل مساء إلى غرفتها وحيدة، إلا من ذكرى قديمة رمادية معلقة على الحائط، لماذا تشعر بأن هناك خنجرًا غادرًا يطعنها مئة طعنة، يشق صدرها، بطنها، يبحث ويبحث فى داخلها، يفرغ نفسها ليفتش عن روحها، فلا يجدها، أصابها داء الحنين إلى نفسها التى كانت بالأمس حاضرة، وبعينين مغمضتين استسلمت للأحلام، سادرة فى خيالاتها ورؤاها وأوهامها، ترجل حلمها وسكن الفراغ، تأرجحت بين الحضور وبين الغياب. لم تنتبه لمرور الوقت، ارتدت ملابسها على عجل ولم تتبرج، كانت تريد أن تكون طبيعية بلا رتوش، تريد أن تكون عارية وصادقة أمامه، نزلت إلى الشارع.
تنسل بين الناس مسرعة غير منتبهة لمن يتحرش بها، الشارع يعج بأصوات المارة وحركتهم غير محددة الاتجاهات، وجوه كثيرة مألوفة تقابلها أثناء سيرها فى الطريق، هذه الأمكنة التى كانت تمر بها كل يوم تفرض حضورها وذكرياتها، تبعث فيها العواطف والمشاعر، أو ليست هذه الأمكنة هى التى نسجت فيها العلاقات والأفراح والأحزان وكانت تسمع نفس الكلمات، نفس التعبيرات والغمزات والتلميحات، ولكنها ترفض الذوبان فى الزمن الذى تكبر معه، هذا المكان هو جزء منها، فخطوط ملامحه تعرجت وتكسرت مع مرور الزمن، عندما اقتربت من المكان خفق قلبها، مشت على مهل تريد أن توقف الوقت، واحدة، اثنتان، ثلاث، خطوات بطيئة ثقيلة، وعندما كادت أن تهم بالخطوة الرابعة ارتبكت قدماها وتخبطتا، شعرت أن توازنها الداخلى انهار، لو كان لها أن تعيد الزمن الغفل لفعلت، لا تحتمل مواجهة الانكسار وجهًا لوجه، دخلت الكازينو المطل على النيل الذى ما زال يحتفظ بطابعه القديم، و بزبائنه التقليدين الذين ينشدون الاستمتاع بوقت حميم بعيد عن الصخب والزحمة والتلصص والفضول.
عندما هبطت الدرج المؤدى إلى ضفة النهر كانت الشمس تزحف نحو غروبها، تجرجر أذيالها متسلسلة إلى جدران المكان وأشجاره، أبصرته يجلس على طاولة تطل على النهر، لم يرها، كان غارقًا فى التأمل والصمت، قالت لنفسها لا سقف للعاصفة واشتعال النار، اقتربت منه، قالت بصوت خفيض: "لقد جئت".
قال : لماذا تأخرتِ ؟
تلعثمت، اختلقت الأعذار، سحبت الكرسى وجلست.
قال وسط دموعه: لا تكذبى على.. صارحينى. أنت لا تعرفين مدى الجرح والإهانة اللذين أشعر بهما، كان العرق البارد يتصبب من وجهه، شعرت بشىء ثقيل يجثم على صدرها وهى تلمح خيوط الدموع تنساب من عينيه. فى هذه اللحظة أحست بمدى عشقه لها، تريد أن تصرخ وتبكى معه وتحضنه لتزيح عنه الألم والإهانة التى تسببت بهما، لكنها تخشبت فى كرسيها ولم تستطع أن تفعل شىء، ماذا يمكن أن تقوله له، كيف تكشف عن سرها وعن الألم المضنى الساكن فى أعماقها، تتأمله بصمت، تلون وجه، بقى مشوش الذهن لفترة، حدق طويلا بها، شعر بالقوة والسحر الكامنين بها، أمسك بكأس الماء بيده وحاول أن يرشف منه رشفة ولكنه تردد وانزل الكأس من فمه، اتجه برأسه نحو السماء، ثم نظر إلى النهر الذى غطت معظم مياهه الطين وأشواك النباتات، وسرب البط الأسود، أدرك أنه عارٍ تمامًا أمامها لم يستطع فعل شىء إلا التحديق بها، شعر بكبريائه يضطرم فى صدره رغم الضعف الذى أصابه وجعله يشعر بالخجل من نفسه أمامها، الموقف كان قاسيًا عليه، أمسك بيدها، ضغط عليها، فى هذه اللحظة أبصرت دموعه تملأ حدقتى عينيه، حزنه لا يشبهه حزنًا آخر، كان كغريب قادم من نافذة الغياب، لم يكن الكلام سهلا كما كان يتصور، أحس أنه أصبح أسير لها، ملكت زمام قلبه، يرى سحرها يطوف فوق قطرات دموعها التى تتلألأ فى مقلتيها وتجعل جسمها يترنح كأنه فى لحظة سكر مفاجأة، أبى عليه الكلام وامتنع كأنه مسحور، مندوه من الصبابة، لقد ذاق لذة السكر والعشق، كان موقناً أن كلاً منهما يولد من الآخر ، لكن شيئًا داخليًا لا يعرف مصدره يصرخ فيه أن أيام فرحهما معدودة وأنهما سيفترقان، شعر بقلبه يذوى لأنها تحجب عنه السر، حبها هو البدء والمنتهى، فلماذا تريد أن تطفئ لهيبها مرة واحدة، لقد رأى فى عينيها نظرة عاشقة لآخر، حرقت روحه، لسعت قلبه، هو المتيم يصارع الزمن، لا وقت عنده لانتظار غده، خيطان من أرق يكفيان ليهرم، لماذا هذا الحب كالنهر يفيض بشبقه الوحشى، يقسو ويحنو، يقترب ويبتعد، لقد شعر بأنهما الآن يطآن الفردوس المفقود وأنه لم يبق إلا القليل، ينظر إلى عشقهما على أنه كوخ صغير على البحر يشعل مدفئته فى برد الشتاء ويفتح نوافذه يستقبل نسيم البحر إذا اشتد الحر، لماذا يهاجر الزمان فى فكرة صارعت طويلا ولم تصمت، آه من وجع القلب، من وجع الحياة ووجع الموت، أدار رأسه إلى الوراء، حين ألقى نظرة أخرى عليها وجدها ترتجف وتبكى، اتقدت عيناه مثل سهم من النار كأنه يهوى من على ظهر جواد كاب أدرك أنه الخصم والحكم فى وقت واحد، اشتعل فى عينيه البنيتين ألق متوقد.
طرح السؤال بعصبية ولم يمهلها لحظة للإجابة.
قال لها: "من علمك هذا الصمت الموجع ؟ إنك تحرقين قلبى وتزيدى لوعتى وجنونى"، حاولت أن تتكلم كان الكلام يهرب منها، استجمعت شجاعتها، أخذت نفسًا عميقًا وأكملت قائلة له: "لكل شىء أوانه إلا سقوط المطر بدون غيمة وغيمتى معلقة محتجزة وأنا أنحنى ريثما تمر العاصفة ومن مسام جلدى أغزل الحزن والألم وأتدثر لكى أقدر على تحمل ما يحمله جسدى من كنوز مخبوءة"، بدأ صوتها يرتفع على مهمل، إلى أن وصل إلى منتهاه، عذب متهدج رنان، حاول أن يمشى باتجاه الصوت بخطوات قلبه المرتعشة الحذرة، وعندما هم أن يمد يده إليها لم يستطع الإمساك بها فقد فرت من داخل صفائها المنكسر.
قال لها، لماذا نوافذك لا تطل إلا على الخراب وجهامة الأيام الصارمة، لا تقتلينى، لأنك لو فعلت ذلك سأبتكر نفسى حمامة، ريشة، حلم وأعشش داخلك، نحن اثنان فى واحد، تراقصت حروف الأبجدية أمام عينيه وانعقد لسانه مرة أخرى، شعر وكأن النهر انخسف، خلا من الماء، اختفى من أمامه فلا عين ولا أثر.
أرادت أن تأخذ راحة من هذا التعب، ابتسمت له فى حزن، ونظرت باتجاه النهر الذى يمتد أمامها وكانت تتناهى إلى أذنيها من بعيد أصوات قوارب الصيادين الذين خرجوا ليسعوا لرزقهم منشدين أغانيهم الحزينة، لمحت بطة برية تضرب بجناحيها على الماء الراكد، تسبح فى اتجاه بعيد عنهما أغراها ذلك بأن ترمى بعض الخبز لها وتستريح من ثقل الموقف، تناولت الخبز وقذفت به فى الماء، جاءت البطة مسرعة والتهمته بسرعة فائقة.
النسيان إبداع صاحبه والسؤال تعشش فيه الإجابة هذا أنا الميت والحى فى آن واحد، كان يرنو إليها مرات ومرات فيتلظى من نار الفرقة التى تقترب منهما لا محالة، هل تخدعه غيمة المطر وتوخزه، أن وراء السور دائمًا فضاء، كان يولد فيه حنينًا طاغيًا إلى شغف غامض من الماضى وإلى الحضور الذى ينام على ضفة النهر، لماذا يحل الغياب الآن، لماذا كلما اكتمل الحضور غابت، لماذا تقسو على قلب تدحرج فوق أرض الألم، ألم أكن دائما ظلها وملح أيامها، أفاق على أصوات خافتة تقطع سكونه الداخلى وسكون المكان، انتبه إلى رجل عجوز يمسك بيد امراة فى مقتبل العمر، كان الرجل رغم خطواته البطيئة وانحناءة ظهره يدفع المرأة أمامه، جلسا قبالته، أخذ يراقبهما، كانا عاشقين، كانت المرأة تضحك بكل نواجذها بدلال وغنج ظاهر، بدأ الليل ينشر سدوله وكان الضوء الأخير يلمع على الماء، عبرت الطيور قوس السماء مشكلة دوائر تبتعد كلما أسرعت فى الطيران، صدرت عنها أنة صغيرة مثل شخص يتألم داخل حلم قاس، أخذت نفسًا عميقًا و أكملت "أنا بحبه حب رومانسى"، هزت رأسها بمرارة وقالت: "أنا ... أنا .... " لم تستطع الاستمرار فى الحكى فقد أشاحت بوجهها وانخرطت فى بكاء هصر قلبه، شعرت كأن روحها علقت على مشاجب الذكرى، استدارت بوجهها صوب النهر للحظات ونظرت بشرود ثم استدارت مرة أخرى باتجاهه وقالت: أنا إنسانة وحيدة جدا ابحث عن حب مثالى لا يأخذ من روحى شىء.
قال لها لا أفهمك، هناك آخر وتحبينه حب رومانسى ؟ وماذا أكون أنا ألا أستحق حبك ؟ قالت: تستحق حب نساء العالم كلهن.
قال : أريد حبك أنت.
أسدلت جفنيها وغطت وجهها بأصابع يديها الرقيقتين، قالت:
أرجوك حاول أن تفهمنى، أحبك وأحبه، لا يوجد شىء بيننا فهو من اختراعى أنا، أحاول الدخول إلى قلبه لكنه كمعبد مفتوح تتفرع منه ممرات عدة، على جدرانها نقوش، لكنى لم أستطع أن أفك شفرتها وطلاسمها لأننى لم أكن املك التفسير، ما كان بوسع أحد أن يكشف لى الحقيقة من الوهم.
أصابته كلماتها بالحيرة، كان ذهنه كله متشابكًا، لا يستطيع أن يسيطر على أفكاره حاول أن ينظم تنفسه ويسيطر على إيقاعه، لكنه لم ينجح، رن صوت حاد فى ذهنه: كيف لها أن تحبنى وتحبه فى نفس الوقت، بدا له كأنه يراها لأول مرة، يرى عيناها الخضراوين اللتين استحالتا لعينين يغلفهن ضباب رمادى، شد يدها إليه بقوة رمقها بنظرة حانية وعاتبة، كانت عيناه قلقتين، مرت لحظات كئيبة صامتة، زفر زفرات طويلة متكسرة، قال لها: لماذا تفعلين بى ذلك؟ أنى أحبك.... أحبك.... أعشقك... أتدرين ما هو العشق ؟ ماذا تتوقعين أن أفعل، تسارعت دقات قلبها، قالت بصوت لا يكاد يسمع، أرجوك امنحنى وقتًا، لم يجب، طال صمته، أخذ يحدق فى وجهها، ثم طأطأ رأسه ووضع يده على صدره، كانت تتمنى فى تلك اللحظة أن تقفز إلى النهر، تهرب، تركض، تدفن نفسها فى هذا الطين اللزج قالت له: أرجوك صمتك يقتلنى، يجرحنى، قال لها: لقد سافرتى، هجرتينى، قالت: أنا هنا لم أسافر.
قال : أنا هنا أحترق
قالت: سأدافع عن نخلنا لتسكنه الطيور، لن أتأهب للرحيل ولن أهاجر، لكنى... فى هذه اللحظة كان النهر الراجف ينزف عشقًا فألوان الحب على ضفتيه تتخمر والحب يرتجل كبرياؤه وتسامحه، استمرا يتحدثان، تناولت يده ووضعتها على قلبها وأمسك بها وسارا معا، وعندما بلغا الطريق ضمها إليه بشدة، احتضنها، تعانقا، تحدث عن إهدار السنين فى عدم البوح لها. كان كلاهما قد بلغ عمرًا يتسم بالنضج والتجربة، كانا يدركان أن حياتهما قد لا تمتد كثيرًا رغم إحساسهما أن غروب شمسهما لم يأت بعد، قاد السيارة متوجها إلى منزلها وهناك ألقى بها على أرضية غرفتها، تحسسها، قبلها فى شفتيها وعنقها، شدها إليه بقوة، تشممها، دغدغ شحمة أذنها، ضغط عليها، هصرها، شعرت أنها كقطعة مرمر تنصهر بين يديه وتتشكل طيورا وأسماكا، بلابل وورود، همس بصوت ناعم "آه، كم أعشقك، أعشق تنهداتك، حزنك، جسمك الشهى، نظرات عينيك، آه لو أموت بين يديك وفى حضنك الدافئ، كم أنت حنونة، جميلة... أرجوك أبقى معى، أعطيني كلمة، لن تهجرينى".
تمتمت له بدعة كاملة أن القدر هو الذى جمعنا، لن يفرقنا إلا الموت، عندما بدأ الفجر فى الصعود متسربًا عبر ظلمة الليل الكثيفة، أخذت تتشرب الألم الأزلى بكل جوارحها، فتحت نافذة شرفتها لتستنشق الهواء وتملأ رئتيها، أخذ قلبها يتلون أخضر وأصفر وأحمر، بلعت غصتها، مضغت وحدتها وحيرتها بمرارة، ارتجفت، استولت على حواسها المضرمة رغبة فى الهرب، فتحت الباب وركضت فى الضباب، تركت قلبها يلفه الدخان واختفت.