البث المباشر الراديو 9090
عزة كامل
أبصرت حزمة من الدخان تشكل غيمة كبيرة ولوهلة تخيلت أن سلاسل ثقيلة طويلة تتدلى منها وتتمتم: "آه لو ينطق الحجر، آه لو يصرخ الجبل.. الهواء ثقيل، آه ما كل هذا السواد الذى أحمله داخلى؟ ما كل هذا التشوش والضياع الذى يغمرنى؟

 لماذا تتوحد عواطفى وأفكارى مع كل ما هو كئيب وعدمى؟ هل غاب عنى الأثر المدمر لهذا الهراء؟ إننى لست إلا خرقة بالية، رداء مثقوباً باهت اللون، أستطيع أن أقول إنها حالة احتضار طويلة، إن الزمن يتلاعب بين الرقة والقسوة، يغدق علىّ بالحنان ثم يسخر منى فى آن واحد.. إنه نزق وعبثى.. يجبرنى أن أصمت، ثم يأمرنى أن أتكلم بعد ما تكون قدرتى على البوح قد غادرتنى.. هذه الليالى الثقيلة متى تطوى أجنحتها وتفسح لضوء النهار مكانا؟.. تطرد الكسل من روحى البائسة وتحيى الأمل الذى مات فى الأعماق.. إلى أى ملاذ أمضى؟

جاءها صوت جدتها العجوز غاضباً:

أما زلت تحلمين.. تجلسين ولا تفعلين شيئًا؟

كلام الجدة جعل الغضب يتآكل فى داخلها، أخذت عيناها الصغيرتان تتأملان العجوز دون أن تنبس بكلمة، دخلت إلى إحدى الغرف، كم تكره هذه الجدة، وتكره الهواء الذى يحيط بها، هذه المرأة التى عذبت الجد المسجى الآن أمامها فاقد الوعى، يحتضر ببطء منذ عدة شهور، جلست على المقعد المواجه للسرير، أخذت تتأمل وجه الجد، وتتفحص فى اندهاش هاتين العينين المطبقتين، الشعر الرمادى، الجسد الهزيل الذى أنهكه المرض، كان الصدر يرتفع ويهبط بشكل منتظم، تغلب عليها النعاس، نعاس قلق، رأت جدها فى المنام مرتدياَ قميصاً أزرق فضفاضًا وبنطلونًا أبيض وفى يده كتاب أوراقه صفراء، الجد يقرأ بصوت عال أشعارًا من المعلقات ويتمايل يمينا ويسارًا بطريقة عذبة وعيناه تشعان انتشاء.. الجدة تدخل ضاربة الباب بإحدى قدميها وهى تزمجر وتزعق فى الجد فيخرج من حالته الصوفية ويبدو مرتعباً وبصوت خفيض يقول لها:

ماذا حدث؟ لماذا يبدو عليك الغضب؟

تتمايل طرباً وقلبى حزين على ولدى الذى خطفه الموت مبكراً؟

هل تشككين فى حزنى.. إن الزمان يداوى الجراح، لقد مضى عشرون عاماً على فقده، والحمد لله أنه ترك لنا ذرية من رائحته، لماذا لا تحبينها؟، لماذا تعامليها بطريقة قاسية غليظة؟!

إنها لاتشبه أمها التى غدرت بابنى وهجرته بعد زواجها بثلاثة أعوام.

لا لم تهجره.. هو الذى دفعها على أن تترك الدنيا وما عليها.. لقد انتحرت أنسيت ذلك؟ انتحرت!

ماتت كافرة.. ربنا ما يوردها على جنة

لماذا كل هذا الغل والحقد لقد خسرناها وخسرناه، إنك عديمة القلب.

فجأة ظهر رجل فى الحلم.. كانت تعرف أنه أبوها.. كان عاريًا إلا من السروال الداخلى.. يجرى فى الممشى كأنه يريد أن يلحق بشخصًا ما.. لكنه كان يعرج على رجله اليمنى.. ويتعثر من حين لآخر ويتكرر هذا المشهد أكثر من مرة.. وهى تعرف أنها تحلم وتريد أن تخرج من الحلم، تظهر أمها وشعرها الطويل يتقاطر منه الماء ووجهها مبلل بالدموع، فاردة يديها بمحاذاة صدرها كأنها تطير.. الأم تحاول أن تخرج كلمات من فمها.. لكنها لا تستطيع، تهم وتحاول أن تطير فتسقط وتتحطم ساقاها.. تحاول أن تخرج من الحلم مرة، اثنتين، ثلاثا، تضرب برجليها الحلم.. لا تستطيع أن تفيق، تدخل الحلم بعمق أكثر، تعاود المحاولة مرات ومرات، وكلما حاولت يخنقها الكابوس، تبحث عن ثدى أمها.. تفشل، تظل تبحث عن الحلمة، تريد أن تلقمها، أن ترتوى.. أمها تبتعد عنها كلما تقترب هى منها، تفيق من الكابوس وجسمها الغارق فى العرق ورائحة الحليب المتخثر تغشى أنفها، صدرها يعلو ويهبط، تبحث عن كوب ماء.. تلمح جسد جدها الحى الميت أمامها.. تهرع إلى المطبخ، تملأ الكوب بالماء، تشرب بنهم، تظهر لها الجدة متجهمة تخاطبها بتهكم:

هل مازال الكابوس يطاردك؟ الله غاضب منك، كل هذا بسبب أمك وفعلتها الدنيئة

يعتريها الغضب، تحس بالدماء تقفز من عروقها، تصرخ صرخة كبيرة فى وجه المرأة العجوز: ارحمى أمى وارحمينى.. ياليتنى كنت مت مثلها.

تقترب الجدة منها، وتجذبها نحوها بقوة: لن تموتى.. ستبقين لأن ليذيقك الله العذاب حتى تكفّرى عن ذنب أمك.

آه يا جدى.. سترحل وتتركنى.. كنت الجدار الذى أستند عليه..

لم تمهلها الجدة الوقت لتكمل عباراتها وأخذت تضربها بيدها بقسوة.

أمى ليس لهل ذنب.. حرام عليك دفنتينى بجانبك.. دفنتيى بجانبك.. أطعمتينى الحزن والكآبة، أيامى معك مريرة.

حاولت الجدة أن تتكلم لكن الكلمات تحشرجت فى فمها، وهربت أنفاسها من صدرها.. وسقطت على الأرض صامتة.. ووجهها جامد كالموتى.

انهارت بجوارها، وضعت رأسها على صدر العجوز وأخذت تنتحب على موت أبيها، أمها، والجد الذى سيلحق بهما، تحاول أن تقتسم الشقاء والتعاسة مع هذه الجدة الباردة كجبل الثلج... حاولت أن تنهض.. كان جسدها ميتاً.. تمنيت أن تسرى الحياة بعروقها لوهلة.. لم تدر إلا وهى مسجاة بجوار جسد جدها والجدة تحدق فيهما.. وبيدها كفن أبيض.. حاولت أن تصرخ، أن تنهض من جوار الجد.. لا تريد أن يدفنوها.. تنادى على الجد.. أخذت تصرخ فيه

جدى.. جدى.. جدى.. انقذنى..

لكنها نسيت أن الجد يحتضر.. لم تكن تتخيل أن تكون ميتتها هكذا، سريعة، غادرة، تافهة... فجاءة وجدت نفسها فى التربة يهيلون عليها التراب.. والجدة تنظر إليها من أعلى نظرة ميتة، نعم الجدة يسكنها الموت والحقد والغل، الآن ساد الظلام، ظلام القبر... شق سكون الموت، هذا الصوت اعتادته، كانت تنتظره، إنه صوت جدها.. الصوت يقترب منها.. يهمس فى أذنها.. يهز كتفيها برفق:

أما زلت نائمة... الشمس طلعت... آه يبدو إنك تحلمين.. استيقظى سأعد لك الفطور ونخرج معاً لنزور قبر جدتك!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز