البث المباشر الراديو 9090
شالا من الشيفون الأصفر
تمددت على السرير فى استرخاء، ألقت نظرة على الفتاتين "ضحى" و"دينا".

تثاءبت "عالية" وقالت لهما: أين سنقضى سهرتنا؟

نظرت إليها "دينا" وقد ضاقت عيناها، وقالت: سنلبس أجمل الثياب، ثم قفزت من السرير، اتجهت إلى حقيبة سفرها، فتحتها، وأخذت تعبث بمحتوياتها.. أخرجت فستانا "أزرق" به لمعة خفيفة، عار الصدر ودخلت إلى الحمام وخرجت وهى ترتدى الفستان، أخذت تتمايل بحذائها ذى الكعب العالى.. قالت لها "عالية": الفستان ولبستيه، والكعب العالى واتقصعتى بيه، تقدرى تقولى لنا فين المكان؟، مين الرفيق؟

شوحت بيدها غاضبة من كلام عالية، وتناولت شالا من الشيفون الأصفر وألقته على كتفها، وقالت وهى تحاول كظم غيظها: نخرج بمفردنا.. ننبسط لوحدنا.. مع بعضنا، هو لازم السهرة يكون فيها رجال!!

قالت "عالية" وهى تشيح بوجهها عنها: مش ضرورى لكن هتكون مملة.

أسرعت "دينا" إلى الحمام، خلعت الفستان، ثم خرجت وهى ترتدى ملابسها الداخلية، سحبت شهيقًا عميقًا، أدارت الاستريو، عندما انبعثت أنغام الموسيقى، انخرطت فى الرقص بنشوة وفرح، شاركتها ضحى، وأخذتا تستحثان عالية على الانضمام إليهما.

كانت ليلة شتوية باردة، لم يكن ينقصها إلا الدفء.

تساقطت الواحدة تلو الأخرى على السرير وهن يضحكن بصوت عال، ران بينهن صمت عميق وبدت كل واحدة منهن غارقة فى التفكير، ارتسمت على شفتى "دينا" ابتسامة حزينة، كأن بوابة للألم تنفتح وتخرج مخزونها، إحساس من الخوف والقلق يتلون به وجه ضحى، وحدة ضاربة فى غياهب بعيدة، تطوق جسد عالية، تجعلها تتقوقع داخل شرنقة وتنشر حولها حزنا شفيفا.

قطع استغراقهن صوت الريح وهى تضرب النوافذ، سُمع هسيس أسلاك أعمدة الكهرباء فى الخارج وهى تهتز دون توقف.

عالية يثقلها الهم فمنذ رحيل الأب وأمها تحاول جاهدة أن تعوضها هى وأخاها الذى يصغرها بسبعة أعوام عن فقدان أبيها الذى خطفه الموت وهو مقبل على حياة رحبة، تركها فتاة مراهقة، مضى الزمن بطيئًا وكبر الحزن بسرعة، أمها تحاول أن تقبض على الحزن، تريد أن تصنع لولديها حياة، رغم أن كل شىء أمسى بالنسبة لها مختلفا، الأصدقاء، العائلة، البيت، الشوارع، اختفت أمارات البهجة التى كانت تغمر حياة الأم، أنكرت ذاتها، كانت لا بد أن تكون قوية، لكنها وحيدة، كانت تمقت شيئًا واحدًا، وهو نظرة الشفقة فى عيون الآخرين التى تجعلها تشعر بالضعف، كانت تعرف أن أمها تتحمل نظرات خبيثة لاسعة كضربات السياط من الرجال الذين حولها، كم كانت قصية وعصية منغلقة على نفورها واشمئزازها، كانت عالية تشعر نحوها بمشاعر متناقضة كراهية، شفقة، حب، لكنها تفهمت بعد ذلك أحاسيسها كزوجة مهجورة يتشبث بذيل فستانها طفلان.

مرت سنوات والأم تقاوم هذا الوضع، كانت تجد فى "عالية" نفسها، لكنها كانت تعرف أن "عالية" تبحث عن أبيها، غاضبة لكن ليست حانقة، ترى فى عينيها اللامعتين دموعا متحجرة وتلمح وجهها أكثر صلابة مما كان عليه سابقا، ظل هناك تحد غامض بينهما، صراع مرير داخلها مقسمة بين افتقادها لأبيها وبين حبها لأمها التى أصبحت السلطة الوحيدة فى عالمها، تؤرقها أن تكون لأمها حياتها الخاصة، كانت تكره مجرد التفكير فى ذلك، كانت تُذكّر أمها فى كل لحظة بزوجها الراحل، ليس حبًا وامتنانًا لأبيها، بل لتفرض الحصار الدائم على أمها أن تفكر فى نفسها كأرملة.

تعودت الأم والأبنة على عدم إظهار العاطفة، كم من ليال كانت "عالية" تسمع خطوات أمها قادمة متجهة ناحية باب حجرتها وكم أحست بيدها وهى ترتعش باضطراب بحثاً عن مقبض الباب، لكنها تتراجع وتكبت مشاعرها، تكابد آلامها بمفردها، كان حزنها ممتزجًا بقلق دائم، لكن الزمان كان أقوى من أى شىء، بمرور الأيام تبدل الحال وحاولت الأم أن تذيب الجليد الوهمى الذى يطوق مشاعرها التى لم تكف يوما عن التدفق والتى كانت موجودة فى مكان ما هناك، انكسر الصمت وأصبح المنولوج الداخلى حوارا جميلا بين الأم وابنتها، تحولت البرودة إلى دفء وبدا كل ما انكسر داخلها فى طريقه للالتئام، هى الآن تتفهم مشاعر أمها أكثر، تشاركها أخص ما يعمل فى صدرها من أمور.

لم تدرك "ضحى" من الصمت الذى طال أن دورها قد أتى لتقص موالها المفعم بالشجن، ولكن ابتسامة عالية المشجعة جعلتها تبدأ الحكاية: أبى لم يمت ميتة عادية.. لقد احترق، غدرت به النار، هو وأصدقاؤه.. وعندما أذهب كل ليلة إلى سريرى وأضع رأسى على الوسادة، أرى النار تلهب وجهى، وأرى أبى.

صرخت صرخة شقت سكون الليل البارد، قامت "عالية" و"دينا" ليحتضناها، وقالت لها "عالية" وهى تربت على كتفها:

توقفى يا "ضحى".. لا تحكى.. لا توجد ضرورة للحكى، سيكون كل شىء على ما يرام يا "ضحى"، نعم سيكون كل شىء تمام، نحن معك.

حاولت أن تقول بلهجة مرحة وهى تغالب دموعها:

أعرف مكانًا سوف يسعدكما سنذهب إليه.

سرن فى الطريق متشابكات الأيادى، أضواء العربات فى الناحية المقابلة تباغتهن، توقفت "ضحى" و"دينا" عندما صاحت "عالية": ها نحن قد وصلنا.

ولكنها شدت يد "ضحى" التى تراجعت بضع خطوات إلى الوراء وظلت واقفة على الرصيف، كأنها تريد أن تحسم أمرًا ما، اندفعت "عالية" إلى داخل المكان من خلال بوابته الحديدية التى كانت تشبه بوابات الفيلات القديمة، فاندفعت الفتاتان وراءها وهما تتفقدان المكان من حولهما بعينها، أفضت بهن البوابة إلى فناء واسع به حديقة تتوزع بها عدة طاولات ومقاعد، اجتازت "عالية" الفناء، ودلفت إلى مكان من الآجر وكان مزدحما برجال من أعمار متأخرة، ويبدو على هيأتهم أنهم ميسورو الحال.

قالت "عالية": نعم أنا أعرف أن كل رواد هذا المكان من كبار السن، لكنهم مثقفون ومتعلمون، ومغرمون بموسيقى (البلوز والجاز)، لذلك فهو مكان آمن من العنف، وأقصى شىء من الممكن التعرض له هنا أن هؤلاء الرجال يحدقون أو يغمزون.. لكن لن يلمسنا أحد.

ابتسمت كل من "دينا" و"ضحى" لها وجلستا على إحدى الطاولات، الإضاءة خافتة تشع جواً من الدفء، وأصوات الزبائن خافتة، طلبن زجاجة من النبيذ الأحمر.. بدأت الموسيقى وبدأ الجميع يتمايل معها.. بعدما شربن كأسهن الثانى بدأن يتمايلن مع الأنغام.. جاء رجل وطلب "ضحى" للرقص.. ذهبت معه.. بدا من حركات جسدها أنها مستمتعة وكان شريكها حريصًا أن يعاملها برقة واحتشام.

ثمة شىء ما فى هذا الرجل يذكرها بأبيها لم تدر ما هو، ربما حركاته، إيماءاته، لاحظت أن هناك عشرات العيون التى تراقبهما من الطاولات المحيطة، اعتراها زهوا لكونها تراقص طيف أبيها، توقفت عن الرقص فجأة ونظرت إليه نظرة استعطاف وقالت له: ممكن أحكى حكايتى؟

أدهشه ذلك التعبير المفعم بالعاطفة فى عينيها، أحس الرجل بالشفقة عليها وسحبها من يدها إلى طاولته، وعندما بدأت الحكى انتابتها بغتة رجفة سرت فى جسدها فبدأت أهدابها تختلج، أمسك الرجل بأناملها المرتعشة وربت عليها، وقال بحنان: استرخ فى جلستك، اطردى الخوف، أغمضى عينيك، خذى نفسًا عميقًا، وعندما تكونى مستعدة ستجدينى مصغيًا.

بعد لحظة من الاسترخاء حركت شفتيها الساكنتين وبدأت تتكلم بصوت خافت وهى تعبث بسلسلة صغيرة تتدلى من عنقها.

لم يكن أبى جميل الشكل، لكن كان له حضور كان طاغيا، كان فنانًا، يكتب ويخرج ويمثل.. بعد ولادتى بسبع سنوات تحولت حياة أبى وأمى إلى الجحيم، بدأ الخلاف بينهما وأثمر ذلك عن كراهية بغيضة، هجرنا أبى وتزوج من أخرى، لكنه ظل يرانى أنا وأختى الأصغر منى.

عندما بلغت الثامنة عشر هربت من المنزل وتزوجت أول شاب قابلته، كنت أبحث عن أب، نعم كنت أريد أن يحتوينى حضن رجل، عاملنى زوجى معاملة سيئة، وفى أحد الأيام ضربنى بعنف بحذائة على كل جزء فى جسمى فسقطت مغشية علىّ غارقة فى دمى، جاءت أمى وأخذتنى إلى المستشفى، جاء أبى وحضننى وأخذ يبكى، وارتعب من رؤيتى فى هذه الحالة، محطمة، حزينة ووحيدة، طلقنى أبى منه ورجعت إلى أمى، كان علىّ أن أتحمل إعالة أختى الصغرى، دفعتنى للعمل ولتحمل أعباء الحياة معها، أصبحت أما لأختى الصغرى، لم أكره أبى لكنى كرهت العالم غير العادل الذى حملنى كل هذا الشقاء، أكره بيتى الذى لم أر فيه إلا الحزن والكآبة.

مرت الأيام وحاولت التماسك، قررت استكمال دراستى وأن ألتحق بوظيفة فى نفس الوقت، ولكننى فضلت فكرة أن أعمل بالتمثيل، ملامحى لا تؤهلنى لأصبح نجمة، لكنى أشعر أننى ممثلة جيدة.

ثم فجأة أخذت تحدق فى الرجل بنظرة غريبة وتنقر بيدها على الطاولة وقالت بذعر: فى يوم غائم استيقظت على صوت أمى وهى تهزنى بقوة، كانت تدمدم بموال غريب حزين وتنوح، أطلقت صرخة مدوية وقلت لها: أهو أبى؟

لم تجب أدارت ظهرها وخرجت من الحجرة، جاءت أختى وارتمت بجانبى على السرير وأخذت تبكى بصوت عال وهى تردد كلمات غير مفهومة:

بابا.. الحريق.. أصحابه.. المسرح.

كان شعور الهلع هو المسيطر علينا، المجهول أحكم قبضته وتمكن منا، مات أبى محترقًا مع عشرات من أصدقائه وهم يشاهدون عرضًا مسرحيًا، تفحموا، مرت سنوات الآن ومازالت مشاعر الصدمة والغضب تتأجج داخلى.

ثمّ بهذا كانت "ضحى" قد أفضت بكلماتها ومشاعرها الحزينة لهذا الغريب الذى مالت إليه ببعض الهوى، فى الجوار الطاولة التى تضم "عالية" و"دينا" كان الحديث بينهما يأخذ منحنيات وتعرجات مختلفة، لقد سال الشراب على شفتى "دينا" وذقنها فأخذت ترتشفه بتلذذ، لم تستطع أن تمنع تسرب القطرات إلى فتحتى نهديها اللذين يبرزان من تدويرة الفستان، لكنها شعرت ببرودة خفيفة تتسرب إلى جسدها.

يا له من جو رومانتيكى ويا لها من صحبة!، قالت ذلك فى سرها وهى تُصلح ملابسها وأخذت تضحك ضحكة عصبية وأمسكت بمعصم "عالية"، وقالت:
كنت أتمنى أن تتخلل حياتى بضعة لحظات مثل هذه التى نعيشها الآن، أن تتخلل حياتى ألوان مختلفة عن الأسود والرمادى، عشت خدعة كبيرة لسنوات.

عندما توفى أبى، جاء "عمى" بعد انتهاء الجنازة وقال لأمى: يجب أن تخبريها الحقيقة.

أخذتنى أمى إلى حجرتى وجلست بجوارى على السرير وقالت: الذى مات ليس أبوك، هذا زوجى الذى تزوجته بعد طلاقى من أبيك، لم تكمل أمى الحديث وفرت هاربة من الحجرة، أحسست بشىء ما يقبض روحى، يشل جسدى، لم أدر ماذا حدث بالضبط، كأننى خارج الزمان، خارج المكان، حملتنى قدماى بصعوبة إلى الحمام، استندت إلى حافة الحوض، رأيت وجهى يقفز من المرآة الصدئة التى أمامى.. غبية، بليدة، مضت فترة لا أعرف مقدارها وأنا مغيبة تماما ولم أدر بنفسى إلا وأنا أصرخ بعنف وأخبط على المرآة حتى انكسرت وسال الدم بغزارة من كفى وتلطخ الحوض الأبيض، وتلطخ قلبى، وظللت ألح على أمى أن تعرفنى مكان الأب المجهول وليتها ما فعلت.. أب ثرى، بغيض، ليس له عاطفة، عاملنى ببرود كأننى لست من صلبه، لا أراه إلا نادرًا، ساءت العلاقة بينى وبين أمى بعدما فقدت الثقة فيها، هربت، عملت فى أحقر الأعمال، لكننى كنت عنيدة، متشبثة بالأمل، لا أكن كراهية لأمى ولا لأبى الذى لم يستطع يوما ما أن يمارس علاقته معى كأب، ليس لى أصدقاء إلا "ضحى" فهى الصديقة الوحيدة التى أحببتها..

صمتت "دينا" وقالت وشفتاها ترتجف: ربما تكونى أنت يا "عالية" الصديقة الثانية فى حياتى.

أنهت حديثها بنبرة تحمل عاطفة جياشة، كان يشع من عينيها وميضا فريد جعل عالية تفيض ببكاء غير مسموع، انحدرت دموعها على خدها ببطء يشبه بطء آلام "دينا".

غادرن المكان صامتات متشابكات الأذرع، كان الهواء طازجا، ضرب وجوهن فأزاح الحمل الثقيل عن صدورهن وجعل الفضاء الخاوى ممتلئاً بالعاطفة، أفلتت عالية يدها من يد "ضحى" وقفزت إلى الأمام وأخرجت من حقيبتها كاميرا الفيديو، وقالت بلهجة حازمة: سنغنى، سنغنى ونصنع فيديو كليب لنا.

قاطعتها "ضحى": وأين الموسيقى؟ ردت عليها "عالية": سنضعها بعد ذلك على الفيديو، لكن عليكما أن تتخيلان أن ثمة موسيقى تنبعث من حولنا..

كانت الأرض تتراقص تحت أقدامهن وهن يغنين ويتبادلن تصوير المشاهد بالكاميرا، مر الوقت سريعاً وأوشك الفجر على البزوغ، كانت أضواء الشوارع قد اختفت فى الأفق، واختفت معها ذكريات الماضى الأليمة للفتيات الثلاث التى خمدت مع بداية صداقة جديدة وانبعاث رائحة الصبا التى تشع من نهر حياتهن وارتفاع حرارة الحب الذى يحرك قلوبهن ويفجر الأحلام..

نمن نوما عميقا فى الغرفة التى كانت غارقة فى ضياء النهار.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز