البث المباشر الراديو 9090
كنكة القهوة النحاسية
استيقظت من قيلولة العصر عصبى المزاج، ولم يكن هناك آثر للحياة من حولى فقد خيم على المكان صمت مخيف، أين زوجتى، أين الأولاد؟

تذكرت إننى أوصلتهم اليوم إلى محطة القطار ليقضوا إجازتهم الصيفية عند جدتهم بالإسكندرية، قدماى ثقيلتان، هل حلمت؟ لا أعتقد، فقد نمت نوما هانئا بلا كوابيس، أحلامى تأتى عادة فى هيئة كوابيس وبما أننى لم أستيقظ منزعجاً، لم أصرخ، لكن مزاجى كان متكدرًا.

ذهبت إلى المطبخ، رأيت كنكة القهوة النحاسية فى مكانها، فعادة استغرق وقتًا للعثور عليها، زوجتى تكره القهوة لأنها تشعر أنها المنافس الوحيد لها، ربما تركت الكنكة فى مكانها إشفاقًا على من الوحدة، ولإدراكها أنها ليست هنا لتعانى من أمر هذه العشيقة الصامتة. أعددت فنجان القهوة وجلست أحتسيها بمتعة فائقة.

ماذا سأفعل الآن؟

لمع فى رأسى السؤال وأدهشنى. وإذا بالإجابة أمامى، شاشة التليفزيون كأنها تفضى إلى بالاجابة، اقتربت منها بحذر، بحثت عن الريموت كنترول ولم أجد له أثراً.

رحت أفتش فى كل مكان حولى، تحت الفوتيه، الكنبة، طاولة التليفزيون وأخيرًا ووجدته، ضغطت على الزر، أمامى رجال بجلاليب بيضاء وسراويل سوداء يعمرون بنادقهم ، كانوا يصعدون قمم أعالى جبل، وركزت الكاميرا على لقطة زووم على أحدهم، يبدوا أنه الإرهابى المعروف "بن لادن"، وعلى ما يبدو أن هذه الأحداث تم التقاطها من عدة سنوات، كان صوت إطلاق المدافع شديدا، لعنت بن لادن، ولعنت هذه القناة، لم أدر إلا ويدى تضغط على زر الريموت لتغيير المحطة فإذا بشيخ ملتحٍ يتكلم عن عذاب النار ويقدم عدة فتاوٍ غريبة وكان صوته أقرب إلى الصراخ ووجه متجهم قاس، للمرة الثالثة أدرت المحطة... قناة الجزيرة، تذيع فاصلا إعلانيا وتؤكد على نقلها المباشر للأحداث بدون انحياز.. استمرت أصابعى فى الضغط على الزر.. فيديو كليب أمريكانى.. فرنسى.. إيطالى.. مصرى.. لبنانى.. أردنى، طوحت بالريموت على الأرض.. وقد غلى دمى.. إعلام فج.. زيف الصورة.. زيف المعنى.. لا مكان للحقيقة ولا الحقائق.. يتعامل مع أدمغاتنا على أنها قوالب تصب فيها كل أكاذيبه...

قطع غضبى رنين جرس الباب.. ازداد توترى.. ألا أحصل أبدا على بضع دقائق من الراحة.. أسرعت وأنا متوتر لأفتح الباب.

تسمرت فى مكانى.. امراة شابة جميلة ترتدى ثيابًا أشبه بالملائكة لونه أزرق بلون زرقة البحر تصطحب فى يدها اليمنى طفلة تشبهها تماما وترتدى فستانا يماثل زيها، شهقت وأصابتنى رجفة أحاطت بى، ثمة شئ غير عادى يحدث أمامى الآن من هما هاتان الزائرتان الغريبتان؟!

قالت المرأة بصوت ناعم هادئ:

- تسمح لنا بالدخول ؟!

وقبل أن أجيب، كانت قد اختفت من أمامى. أخذت أبحث فى أركان الطرقة الخارجية لعلهما اختبئتا هناك، اتجهت إلى الدرج المجاور للباب أصابتنى لوثة، ربما هربتا وهبطتا إلى الأسفل، كدت أجن.. هل أنا أتوهم؟ أسرعت إلى مدخل شقتى وقفلت الباب بعصبية، بعدما خطوت عدة خطوات فى الصالة فى اتجاه غرفة الجلوس، تسمرت فى مكانى.. المرأة والطفلة تجلسان على الكنبة، تشاهدان التليفزيون والمرأة تمسك الريموت، وتحركه بسرعة وتغرقان فى ضحك هستيرى، ثمة شئ غريب يحدث هنا، المرأة والفتاة تنصرفان بتلقائية كأن هذا البيت بيتهما.. وأنا الغريب، مرت دقائق عديدة دون إقناع نفسى أننى لست مهوساً، صرخت:

- من أنتما، وكيف دخلتما؟

أخفضت المرأة صوت التليفزيون دون أن تطفئه وعيناها مثبتتان على الصورة وهى تبتسم ابتسامة بلهاء وتتناول فنجان القهوة الذى لم أنته من احتسائه، وظلت تشاهد التليفزيون لحظة، ثم قالت وهى تستدير إلى بحدة:

- أنا امرأتك وهذه ابنتك وهذا بيتى

هذا جنون.. أنت لست زوجتى وهذه ليست ابنتى، زوجتى وابنتى فى الإسكندرية.. وقبل أن أكمل جملتى اختفيتا مرة أخرى.

أصابنى الرعب وخاصة أن الإضاءة سيئة فى البيت، فلا يوجد سوى مصباح وحيد فى غرفة الجلوس، وغرف النوم الصغيرة مصدر إضاءتها الوحيد من الأباجورات الموضوعة على جانبى كل سرير.. يبدو أن سفر زوجتى وأولادى جعلنى أهذى.

نمت عميقا واستيقظت على صوت موسيقى صاخبة جدا، كان الرعب يشملنى وأنا ممدد على السرير الذى كان يهتز من رعشة جسدى، أضأت الأباجورة، وجدت دخانًا ملوناً يتصاعد حولى قادما من خارج باب حجرة النوم، قمت على أطراف أصابعى، وأخذت زجاجة المياة الموضوعة على الطاولة التى أمام السرير واتجهت إلى الخارج.. كان جهاز الستريو الموضوع على أحد رفوف المكتبة يصدر هذه الموسيقى، أخذت أنظر يمينا ويسارا، أطفأت الستريو، وشربت بضعة قطرات ماء من الزجاجة، وعندما هدأت، عدت أستكمل نومى، ولم يتبادر إلى ذهنى سؤال من الذى أدار جهاز الستريو؟

فى اليوم التالى عندما نظرت إلى المرآة تذكرت بأننى لم أدر جهاز الستريو الذى أيقظنى من النوم، وأنه لابد أن شخصا يعبث معى. توقفت لحظة لهذا الاكتشاف رحت أجرجر قدمى بتثاقل، كانت الصالة مثقلة بعطور ممتزجة، وبقايا طعام فى صحون متناثرة فى كل جنبات الصالة، وكؤوس أخرى بها بقايا من الشراب.

ملأنى الخوف وتصاعد جنونى لهذا المشهد، سمعت وقع خطوات لاهثة قادمة من الداخل، ودخل فجأة إلى الغرفة صبى صغير بملابس النوم، وبصوت مخنوق تأتأ بكلمات غير مفهومة:

- ماما، أختى، الحمام، ثم توقف بغتة، حنى رأسه فوق صدره وبدا أنه يصغى إلى أصوات لم أستطع سماعها، وقبل أن أسأله عن هويته ومن أين جاء، اختفى من أمامى. أصابنى التشوش وشعرت بأننى أتضاءل شيئا فشيئا، غصت فى المقعد فاقدًا للوعى، وأصابتنى نوبة اكتئاب حاد.

وجدت نفسى بعد عدة ساعات استعيد قدرتى على الحركة لكن الأفكار كانت ترهقنى والشكوك كانت لا تفارقنى وتسلط على ذاكرتى نوعا من الدوى، كنت أشعر برغبة عارمة فى أن أصرخ.. أصرخ بلا توقف، كانت موجات متلاحقة من الأفكار المشوشة ترهقنى بهوس غريب، أحسست بالاختناق، فتحت فمى لأتنفس، تراءى لى أن شيطانا خفياً يقبض عنقى، نهضت بسرعة، فتحت باب الشقة وخرجت مسرعا إلى الشارع، انعطفت إلى طريق فرعى تظلله الأشجار من الجانبين، قررت الاستمتاع بالمشى البطئ وتنفس أوكسجين نقى والاستمتاع بحفيف الأشجار وبالهدوء الذى يخيم على الشارع، عندما قطعت نصف الشارع أحسست ان ظلا شفافا يبرز لى بين الأشجار ويمر ببخفة، اعتقدت أنه ظل شخص ما، نظرت فى كل الاتجاهات فلم اجد أصلا لهذا الظل، بعد برهة سمعت وقع أقدام خفيفة خلفى، ثم اجتازتنى، كانت أقدام لمجموعة من النساء والأطفال فى هيئة ملائكية. يهرولون ويرفعون أياديهم فى اتجاه السماء وإذا بسحابة سوداء تظلل رؤوسهم فتهطل منها زخات من المطر فى لون "النبيذ" تسقط على رؤوسهم وتغرق أجسادهم وهم يتراقصون فى انتشاء واضح.. رباه هذه رؤى تحوم حولى، رحت أحدق فى الفضاء أتحسس جسدى، عينى، إنى أشعر بأنفاسى أشعر بدقات قلبى.. كانوا قد اختفوا من حولى كأنهم تبخروا، شعرت بأطرافى تتجمد في مكانها وتسمرت فى مكانى مرعوبا رعبا غير متناه، سكتت حركتى وتحولت إلى كومة من الحجر.

فارقنى كل شعور بالفهم لم أستطع إلى الآن تفسير ما يحدث أو إدراكه بوضوح.. إننى لا أؤمن بالميتافيزيقيا ولا بالأشباح المرتجفة التى أراها، ما هذه الجمهرة من الأشباح التي تطل على من مشاهد غامضة، ما هذه الكائنات التى تنقض على مخلفة ورائها رعبا لا مرئياً.

اعتدت أن أستيقظ من نوم قلق بشعور هو مزيج من الرعب والفزع كأننى أنهض من موت مرعب لا صحوة بعده.

بعد عدة أيام عندما رجعت إلى شقتى وجدت النوافذ عليها ستائر مسدلة جديدة، والبيت نظيف نظافة غير معتادة، لوهلة اعتقدت أن زوجتى أتت من إجازتها، ناديت عليها، لم يأت رد، توجست، سمعت أصواتا صادرة من الحمام.. كان الباب مواربا، وجدت "ستارة البانيو" البيضاء الشفافة مغلقة و"الدش" مفتوحا وظلا يتراقص تحت الدش، عندما هممت بفتح الستارة لأباغت هذا الظل كان صوت الماء قد توقف ولا أثر لهذا الشبح، ولكن وجدت آثار صابون الاستحمام فى قاع البانيو و"اللوفة" عليها بصمات "أنثوية" كانت الضوضاء عالية جدا فى غرفة نومى، أسرعت إلى الحجرة وجدت "صوان الملابس مفتوحا" وروب "الحمام" ملقى على حافة السرير، وعطر زوجتى يفوح فى أرجاء الغرفة.

- ماذا يحدث؟.. هل تعبث زوجتى معى.. هل تريد أن تصبنى بالجنون، لكن ما علاقة زوجتى بالمرأة والفتاة والصبى الذين يحومون فى أرجاء البيت، ما علاقة زوجتى بكل هؤلاء الناس الذين رأيتهم فى الشارع وسحابة النبيذ.. لعلنى مرهق من وحدتى فى البيت، وريما يكون هذا تداعى أفكار من أثر هذه الوحدة!

استمرت حياتى لمدة اأسبوعين كما هى، وأحيانا أجد هذه الأشباح تجلس أمام التليفزيون، أو تآكل، أو تستحم فى الحمام وترتدى ملابسنا، الغريب فى الأمر أننى بدأت التعود على كل هذه الغرائب، بل أصبح شيئا غير معتاد بالنسبة لى ألا أجد شيئا يبعث على الرعب، بل أصبحت أشعر بألفة تجاه هذه الأشباح، والأمر الهام فى نظرى أنها غير مؤذية، وبدأت أحاول أن أطمئنهم وأعطى لهم إشارات بتقبلى لوجودهم فى المنزل، كنت أحضر لهم الكثير من الطعام والفاكهة وبعض الملابس الجديدة والعطور، وأنواعا مختلفة من الكؤوس و أنواعا مختلفة من الشراب.

وعند عودتى غلى المنزل ألقى عليهم التحية، لم أعد أخشى رؤيتهم أو الحديث معهم.

كنت مشتاقا لرؤية زوجتى لأقص عليها هذه العجائب.. بمرور الوقت أصبح هذا الشوق محموما.

فى الواقع يصعب على أن أصف رغبتى لسرد هذه الأحداث على زوجتى، فهى عاطفية جداً وعصبية بلا حدود مما كا يسبب لى كثيرا من التشوش وخاصة أنها دائمة التدخل فى شئونى بشكل يرهقنى، وكنت بارعا فى التملص منها بشكل جيد، لكن الملفت للنظر أنها كانت تدس أنفها فى شئونى لتفسد شيئا تشعر أنه يشكل خطرا عليها، كانت تحاصرنى بقوة، وطالما تخللت جهودى للتخلص من براثن تدخلها الفتاك بعضا من التصرفات الوقحة اللاأخلاقية، وكان الكذب أهونها فقد تميزت بالخيال القوى واحيانا الجامح، وكنت فى أغلب الأوقات تائها فى خيالى، وفى عوالم أخرى غير هذا العالم، لأحكى أى رواية بألف طريقة، بلهجة ممزوجة بالرشاقة والترويع خاصة أنى كنت أتوقف فى بعض الأحيان كما لو أننى أتعمق فى ما سبق وسردته من الحكاية.

فى أحيان كثيرة أندهش من نفسى ومن هذه التصرفات حتى يخيل إلى أن هناك شيطانا يتلبسنى وانه هو الذى يتكلم بالنيابة عنى، لكن هذا التصعيد المتنامى لهذه القدرة الشيطانية أرهق روحى.

كانت زوجتى تواجهنى بعنف وتذكرنى أن خيالات مريضة من صنعى.

أشعر أن عينى ناعستين، يداى وقدماى ثقيلتان.. لا أقدر على رفع ذراعى أو تحريك قدمى، خلت أننى أستيقظ على مشهد سريالى.. أو ربما أصابتنى الحمى فاشتدت الخيالات الجامحة من جراء ذلك. حجرة بيضاء، بها أجهزة وشاشات بها رسومات بيانية، محاليل معلقة على عمود بجوار السرير، امرأة ترتدى ثياب ممرضة وأخرى تساعدها.. تراءى لى أن زوجتى تقف على حافة السرير.. وهى تمسك بأصابع قدمى..

خيل إلى أنها تمسك بيدها "شئ"، مثل "الريموت".

قالت بصوت حنون شارد:

- حمد لله على السلامة، نجحت العملية، لقد استغرقت ثلاث ساعات لتفيق من البنج، تحب تتفرج على التليفزيون.

هززت رأسى.. ضغطت على الريموت.. رأيت المرآة الملائكية وبجوارها الفتاة تركضان فى مروج خضراء وتتبسمان.. حاولت فتح فمى.. أريد أن أخبر زوجتى بأن المراة والفتاة قد رأيتهما من قبل.. قطع تفكيرى صوت زوجتى وهى ترحب بأصوات قادمة من الخارج.. رهط من النساء والأطفال الذين شهدتهم فى البيت..

لم أستطع السيطرة على نفسى وأخذت أحاول تحريك فمى.. بصعوب قلت لزوجتى:

" اسمعى أريد أن أخبرك أن..."

كان الضجيج صاخبا.. لم أستطع السيطرة على نفسى انهمرت دموعى، وشعرت بالكلام يقف فى حلقى.. فجأة وجدت المراة الملائكية والفتاة تمسكان برأسى وكل واحدة تنحنى على أحد كتفى وتهمس فى أذنى..

اطمئن الآن لا أحد يسمعك.. نظرت إلى زوجتى وجدتها تمسك بروب الاستحمام وتشرع فى خلع ملابسها وصوت خرير الماء القادم من الحمام يدوى فى أذنى وصوت مخنوق يرتفع رويدا رويدا من مكان ما بجوارى كأنه روح مثقلة بالذعر.. ما عدت أستطيع أن أتحمل، شعرت أننى يجب أن أفعل شيئا.. بدأت أتطلع بلهفة ضاربة إلى لحظة أصرخ فيها أريد أن أموت.. أريد أن أموت..

كانت صرخات زوجتى وصرخات المرأة الملائكية والطفل ورهط الناس أعلى، أطباق الطعام والكؤوس تتطاير فى فضاء المكان ولا أعرف الآن إذا ما كنت حيا أم ميتا، كل ما أعرفه أن حواسى تنسج الخيال وتستيقظ وتنتعش بقوة وأننى قادر على ان أحكى هذه الحكاية بألف طريقة أخرى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز