البث المباشر الراديو 9090
عزة كامل
جلست فى حجرتى استمع لغناء أم كلثوم ونسائم الصيف الحارة تلسع وجهى.

دمعت عينى وأخذنى الحنين لأمسيات صيفية مر عليها زمن، تخلف لى ذكرى عذبة، مفعمة بأجواء غسق لطيف، يقطعها مداعبات الأصدقاء وهمسات نشوتهم باللحن والكلمات ومن سكر خفيف خدر، وتنميله قبلات بريئة تطبع مذاقها على شفاه رطبة، كم تمنيت أن استرجع ما أخذته الأيام حتى لو كانت لحظات عابرة وخاطفة. كم تمنيت أيضا أن أبعد عنى ذكرىات تثقل صدرى و تشعرنى بالغربة والعزلة والوحشة وتثير مشاعر الصمت والحزن والأشواق والحب الضائع.

كنا نجلس فى مساء ليلة من ليالى رمضان أنا وأخى الأصغر فى بيت أمى نقرأ مقاطع من رواية "ماركيز"، أخى مولع بالأدب والفن والتمثيل، سمعنا طرقا خجولا على الباب، اندهشنا لماذا لم يستخدم الطارق الجرس، اعتقدنا أنه لم يره، دخل علينا ثلاثة من أصدقاء أخى، أحسست بأن حدثا قد وقع، وثب قلبى من صدرى، همسوا فى أذن أخى، أخى صرخ وجرى، جريت خلفه بسرعة.

كشف الليل الحالك عن أنيابه، انطفأت قناديلنا ومحت جميع النجوم، صعدت سلالم المنزل المقابل لمنزلنا إلى أن وصلت لشقة أحد أصدقائه، دخلت إلى الحجرة وجدت أخى الآخر مسجى على السرير، كان الضوء المنبعث من مصباح الردهة الخارجية ينسكب على وجه الوسيم ذى الأنف المستقيم، تعلو وجهه ابتسامه هادئة، وجه اكتسته مسحة من جمال، كان وديعا كطفل فى حضرة الموت، لم أصرخ، لم أبك، كنت ارتجف، انحنيت عليه أفتش فى جسده عن شىء ما يكون تسبب فى رقاده بلا حراك إلى الأبد، تمددت بجانبيه، أخذته فى حضنى، أمسكت بيده، وضعتها على بطنى المنتفخة التى كانت تنوء بعبء بحمل، كنت أريده أن يشعر بنبض طفلتى التى لم تولد بعد.

انتبهت على صراخ أخى، كان صراخا يهز الجبل، تحول لعويل ونحيب، أى صراخ ينبغى أن أطلق؟ وأية أكذوبة ينبغى أن أصدقها؟ و أية عدالة يجب أن أتبع، عدالة الموت يا لها من عدالة!

الظلام يتدحرج فى عينى وقلبى يحترق ويئن، عذاب حقيقى مرير، منذ تلك اللحظة خيل إلى أن كل شىء يجرى فى عالم آخر، و لم يبق فى عالمى إلا السكون العميق المظلم، الذى جعلنى أتجرجر فى الأزقة الملتوية، استيقظت أمى على صوت رفاق و أصدقاء أخى وعويل أمهاتهن وسألت على من هذا الصراخ؟

قالت إحداهن: على ابنك، عريسك؟ سقطت أمى بعد سماع الخبر، غابت عن الوعى لا أعلم كم من الوقت مر على استعادته مرة أخرى، لم أقو على النظر فى عينى أمى.

جاءت عمتى، جلست فى الصالة، صوتها خلا من اللوعة ولكنه يحتشد بمرارة وموجعة، ارتجلت عمتى عدودة ورددت النساء خلفها بقوة:

قنديل منور .. انطفأ ضيه

سوق البحيرة ملتقاش زيه

قنديل منور .. و انطفأ نوره

سوق البحيرة ملتقيت غيره

يا مغسله قبل أن تبل الضهر

ميل عليه وقول له الغياب كم شهر

يا مغسله قبل أن تبل إيديه

ميل عليه وقول له الغياب كدا ليه

يا مغسله .. غسله بماء الورد

وبعد الغسيل قول له نعيما يا شب

يا مغسله غسله بماء الطيب

وبعد الغسيل قول له نعيما يا سيد

خرج عالم أخى كله يودعه ويشيعه بحرقة الدعوات والبكاء، كان النعش ملفوفا بستان أبيض لأنه لم "يدخل دنيا بعد" كان مازال عريسا، يزف إلى الموت، أخوتى تحولوا إلى تماثيل من الخشب فوق مقاعد خشبية، لم يكن رحيله إلا رحيلهم، لطشهم الموت وسكن داخلهم، صممت أمى أن يدفن جسد آخى فى مقابر عائلتها لكى تدفن بجانبه، ظلت صورة أمى بعد وفاة أخى صورة وحيدة مليئة بالأسى، أدركت أنها ليست أمى التى أعرفها، اكتسى وجهها كآبة ووجوما، تتنقل فى البيت تائهة تبحث عن ابنها المفقود الذى يناديها عبر سكون الليل، تبكى بلا دموع، أصابها الذهول وازدادت صحتها سوءا يوما بعد يوم، التزمت الصمت، سرق بريق عينيها، شىء مات فى أمى، وجعل روحها تخبو، يظل هناك حنين حارق ومؤجج للأحبة الذين رحلوا، لا تستطيع يداى العاريتان أن تحجز رجفات الألم المتصل فى حشاى وكبدى، صرختى بالليل أسمعها أنا وحدى، ما زلت اسمعها، أتعثر وأقع وأشعر بالعار من كل ما تلمسه يداى، أريد أن أهرب بعيدا وأنهى هذا الشعور الموجع بالألم الممض الذى لا ينقضى، هدنى موت أخى تحملته بصمت، كتبت له رسائل كثيرة ومزقتها، سنوات لم يأت فى الحلم.. غاب عنى فى الحياة وفى الحلم، يتجسد المكان ويتداخل الزمن وتتوالى الصور وتبقى مرارة الخذلان، وقلبى ما زال يحمل حرارة الألم المدفون وحزن العالم، تراكضت الصور فى رأسى شعرت بالغموض، كانت مشاعر مضطربة متداخلة، شعرت بالحصار وانقباض صدرى وأحسست أن روحى محبوسة فى بئر عميقة.

أحاول أن أقنع نفسى أن الزمن رفيق بالمعذبين المكبلين بالأصفاد الداخلية، أحاول أن أبتكر لحظة فرحة وأزهار مورقة وانتصارات جديدة، و شمسا وكواكب أخرى.

ألم يمنحنى الموت قدرة على الصفاء؟، ألم أبحث غريزيا عن مظاهر الحياة فى الأمكنة والحواس وأى شىء أنتمى إليه ودفعنى الحرمان إلى البحث عن الماء لأروى به العطش الأبدى، وعن محطات وعلامات أدخل وأخرج منها ، ومرايا أكشف من خلالها عوالم لم تولج بعد.

أنظر إلى صورة أخى التى أحتفظ بها فى حقيبتى الصغيرة فتزداد قناعتى بأن الحب هو لهب القنديل القادر على إنارة كل سراديب الماضى وإطلاق عصافير تغنى بعذوبة وصفاء، ثمة شىء على شرفتى المفتوحة لا يدركه الحزن، طائر سنونو يفرد جناحيه المحملتين بالشوق، يستعد لحمل رسائلى من خزانة قلبى المواربة إلى أخى الذى أفتقده.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز