البث المباشر الراديو 9090
سيد مكاوى
"اصحى يا نايم اصحى وحد الدايم، وقول نويت بكره إن حييت الشهر صايم والفجر قايم، اصحى يا نايم وحد الرزاق، رمضان كريم"، بهذه الكلمات كان يطل على الشعب المصرى بل والوطن العربى أشهر مسحراتى عرفه الناس، صوته عذب وألحانه تبهر كل من يسمعها، فنغماته تسحر أذن السامعين، وكلماته تأسر قلوب العاشقين.

لم يكن سيد محمد سيد مكاوى الشهير بـ "سيد مكاوى" مجرد ملحن عادى، فرغم أن أنه فقد نور بصره وهو صغير لكن الله عوضه نور البصيرة، فكان بارعا فى حفظ القرآن الكريم والتواشيح الدينية، وهو ما أهله لأن يكون ضمن المتميزين بين من عاصره من كبار الملحنين والموسيقيين.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

ولد سيد مكاوى فى شهر مايو عام 1928، فى حارة قبودان بحى الناصرية فى السيدة زينب بالقاهرة، عاش ونشأ فى وسط شعبى بسيط، وفقد بصره وهو صغير السن، وكان ذلك العامل الأبرز لدفع عائلته له باتجاه الطريق الدينى، فكان يحفظ القرآن ويتلوه ويؤذن فى الحى الذى يسكنه فى مسجدى أبو طبل والحنفى، وأصبح يحفظ الموشحات والأناشيد عن ظهر قلب، إذ كان يستمع خلال شبابه للمنشدين والمقرئين مثل الشيخ إسماعيل سكر والشيخ مصطفى عبد الرحيم.

سيد مكاوى


تعرف على صديقين من صغره شاركاه شغفه بالفن هما إسماعيل رأفت ومحمود رأفت، وكانا يتقنان العزف على القانون والكمان، وهما من وسطٍ ثرى، فقد كان لديهما الكثير من الأسطوانات القديمة والحديثة لموسيقى العصر أمثال عبد الحى حلمى وسيد درويش وداوود حسنى ومحمد عثمان، فكانوا جميعا يستمعون بشكلٍ يومى لتلك الأسطوانات، وحَفِظهوا عن ظهر قلب عشرات الأسطوانات من أدوار وموشحات، وشكلوا مايشبه فرقة غناء وموسيقى صغيرة.

سيد مكاوى

اتجه سيد مكاوى للغناء واهتم به بدايةً بشكلٍ أكبر، وأصبح مطربًا فى الإذاعة المصرية فى بداية الخمسينات، فكان يغنى الموشحات والأدوار التراثية الشرقية فى مواعيد ثابتة على الهواء مباشرة، ولنجاحه المميز كُلف بغناء ألحانه الخاصة، وكانت أول أغنية له هى "محمد" وكانت من ألحان صديقه عبد العظيم عبد الحق، والأغنية الثانية كانت من ألحان أحمد صدقى وهى "تونس الخضرا".

فى منتصف الخمسينات أصبح يقدم ألحانه للإذاعة المصرية، إذ لحن الأغانى الدينية للشيخ محمد الفيومى "تعالى الله أولاك المعالي" و"آمين آمين" و"يا رفاعى يا رفاعى قتلت كل الأفاعى" و"حيارى على باب الغفران".

فى نفس الفترة أطلق سيد مكاوى عدة أغانٍ مثل "آخر حلاوة مفيش كدة" و"ماتياللا يا مسعدة نروح السيدة" للشاعر عبد الله أحمد عبد الله، أما أغنية "حدوتة" فكانت نقطة الانطلاق والشهرة لمكاوى، وكانت من كتابة صديق دربه الشاعر صلاح جاهين.

سيد مكاوى


تصاعدت شهرة مكاوى عندما لحن لشريفة فاضل أغنية "مبروك عليك يا معجبانى يا غالى" وأغنية "اسأل مرة عليا" التى حققت نجاحا كبيرا فى الوسط المصرى، وأصبح اسمه مطلوبًا لكل المغنيين، ولحن للمغنية ليلى مراد "حكايتنا إحنا الاتنين" وللفنانة نجاة الصغيرة "لو بتعزنى"،  وللفنانة شادية "هوى يا هوى ياللى إنت طاير" و"همس الحب يا أحلى كلام"، وللفنانة القديرة صباح "أنا هنا يا ابن الحلال" كما لحن أغنية "يا مسهرنى" لكوكب الشرق أم كلثوم، وهى الأغنية التى تبين عبقرية ألحانه وعظمة أدائه، كما قدم العديد من الألحان للمطربة الكبيرة وردة الجزائرية مثل "شعورى نحيتك" و"وقلبى سعيد"، و"بحبك صدقنى"، و"أوقاتى بتحلو".

شارك مكاوى بتقديم العديد من المقدمات الغنائية لمسلسلات الإذاعة والتلفزيون مثل مسلسل "رضا بوند" و"شنطة حمزة" و"حكايات حارتنا" و"عمارة شطارة" والعديد من المقدمات التى اختار فيها أن يكون الطابع كوميديًّا وخفيف الظل، وقد كانت جميع المقدمات من تأليف الشاعرين عبدالرحمن شوقى وعصمت الحبروك.

كان لسيد مكاوى موعدٌ فى كل رمضان فى الإذاعة المصرية بفقرة "المسحراتى" التى كانت من كلمات فؤاد حداد ومن ألحانه وغنائه، وكانت من أشهر معالم شهر رمضان عند المصريين، فقد ظلّ يطل بكل رمضان إلى أن توفى.

ولسيد مكاوى مشاركةٌ كبيرة فى المجالين القومى والوطنى، إذ قدم العديد من الأغانى فى العديد من المناسبات، ففى العدوان على بورسعيد عام 1956 شارك بأغنيةٍ جماعية بعنوان "ح نحارب ح نحارب كل الناس ح تحارب"، وخلال حرب 1967 قدم أغنيتين للشاعر الكبير صلاح جاهين هما: "الدرس انتهى لموا الكراريس" للمطربة شادية عقب قصف مدرسة بحر البقر، و"احنا العمال إلى اتقتلوا".

شارك مكاوى فى حفلٍ أُقيم احتفالا ببناء السد العالى بأسوان، وحضر الحفل شخصياتٍ بارزة من جميع أنحاء العالم وغنى مكاوى "فانتينا.. فالنتينا.. أهلا بيكى نورتينا" للاحتفال بأول رائدة فضاء، والأغنية للشاعر صلاح جاهين، وأغنية "مصر مصر دايما مصر" للشاعر فؤاد حداد، كما غنى "ما فيش فى قلبى ولا عينية إلّا فلسطين"، وغنى "يا بلدنا الفجر مادنة ونار بنادق" لكمال عمار.

أما المسرح الغنائى فقد شهد إبداعه المميز، إذ اشترك مكاوى عام 1969 بالمسرح الغنائى وقدم أوبريت "القاهرة فى ألف عام" على مسرح البالون مع العديد من الملحنين الكبار، وقدم "لحن المماليك" و"بناء القاهرة" و"البياعين" و"عيد الفطر" و"الحاكم بأمر الله" و"يا مصر افتحى قلبك"، وحقق نجاحًا كبيرًا وشهرةً واسعة، كما قدم أوبريت "الحرافيش" الذى نال أيضًا كل النجاح.

وقدم العديد من الألحان للمسرحيات مثل: "مدرسة المشاغبين" و"سوق العصر" و"هاللو دوللى"، ولمسرح العرايس "قيراط حورية" و"الليلة الكبيرة" التى لا تزال مشهورة حتى الآن.

وفى حياة سيد مكاوى الفنية محطتين هامتين:

المحطة الأولى والتى صاغها شعرا صلاح جاهين وهى "الرباعيات" والتى قدمت من خلال إذاعة صوت العرب فى نهاية الستينات من إخراج أنور عبد العزيز وكانت تقدم فى حلقات يومية وحققت شهرة واسعة وشيوعا كبيرا مما دفع المطرب على الحجار إلى استذان سيد مكاوى فى إعادة تقديمها وقد وافق سيد وتم إعادة تسجيلها بصوت على الحجار.

المحطة الثانية هوى حلقات "نور الخيال وصنع الأجيال" وهو ديوان شعرى كامل للشاعر الكبير فؤاد حداد يصف فيها القاهرة العظيمة وما مر بها من أحداث عبر التاريخ إذ تم تقديمه من خلال إذاعة البرنامج العام خلال شهر رمضان عام 1968، وهذا البرنامج له المقدمة الغنائية الشهيرة "أول كلامى سلام" وقام بغنائه سيد مكاوى فى شكل الشاعر الراوى وقدم من خلال الثلاثين حلقة العديد من الأصوات الجديدة والمواهب الشابة آنذاك والتى شاركته فى الغناء مثل "ليلى جمال، وزينب يونس، وجنات فريد، وعبد الحميد الشريف" وكان من أشهر أغانى سيد مكاوى والتى قدمت من خلال هذا البرنامج أغنية "الأرض بتتكلم عربى" ويعتبر هذا العمل عمل ملحمى ملئ بالتراكيب اللحنية الشيقة والمعقدة والمركبة ويعتبر مرجعا هاما لكل الملحنين الجدد للاستفادة منه فى كيفية التسلسل اللحنى وحسن النقلات الغنائية.


وتزوج سيد مكاوى عام 1961 من الفنانة التشكيلية زينب خليل، وتعرفت على مكاوى عن طريق إحدى زميلاتها، إذ كان يعلمها الموسيقى فطلبت منها أن تقابله من أجل اسكتشات لـ "الليلة الكبيرة" لمشروعٍ فنى بمجال دراستها، وله ابنتان الكبيرة السفيرة إيناس مكاوى وتعمل فى جامعة الدول العربية، والصغيرة أميرة.

وقالت ابنته السفيرة إيناس مكاوى فى لقاء تليفزيونى عنه: "والدى حصل على أكبر جائزة من أمريكا وهى الحفاظ على موسيقى الشعوب، رغم أنه لم يحصل على شهادة، وحرم من دراسة العلوم العملية، واقتصرت دراسته على العلوم النظرية لأنه كفيف".

وكشفت إيناس مكاوى خلال اللقاء أن أغنية "يا مسهرنى" لم تكن اللقاء الأول بين سيد مكاوى وأم كلثوم، موضحة "أم كلثوم اتصلت بوالدى عشان يلحن لها "أنساك" فلحن المقدمة، وسأل: هاخد كام على اللحن ده؟ فقالت له يكفيك فخرا إنى هغنى لحنك، فقال لها: لا مَش هيكفينى لأن البقال اللى تحت بيتنا مش هيكفيه فخرا إنى أشترى منه".

واستكملت حديثها قائلة: "أم كلثوم ووالدى كانوا الاتنين دمهم خفيف وعندهم حس للفكاهة، ومرة كانت نازلة معاه السلم وفجأة حس خطوتها اختلت فقال لها: فيه إيه؟ قالت له: النور قطع، قال لها: طيب سيبينى أنا أسندك بقى".

وتوفى سيد مكاوى فى 21 أبريل من عام 1997.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز