البث المباشر الراديو 9090
لينين الرملى
عاش لينين الرملى حياته بالطول والعرض، اختار كل خطوة يخطوها، كل شارع يمر به، كل موقف يخوضه. لم يقبل بالإملاءات، لم يكره النجوم ولم ينحن أمامهم، وتعامل معهم نداً لند، إذ كان يحترم اسمه، ويحترم عمله، ويؤمن بأن الكاتب هو جزء من صناعة الفن.

وربما يكون الشىء الوحيد، الذى لم يختره مثلنا جميعاً، هو اسمه. لينين. كان يمكن أن يصبح عادياً فى موسكو. لينين اسم روسى. ليس اسماً روسياً فحسب، ولكنه اسم الزعيم الروسى الماركسى فلاديمير لينين، وقد اختارته له العائلة المؤمنة بالأفكار الماركسية، وهكذا وجد نفسه محاصراً بالاتهامات، ومطارداً باللعنات، منذ أن كان طفلاً، فإما أنه جاسوس شيوعى، وإما أنه مسيحى، وإما أنه غريب فى مجتمع لا يقبل بالغرابة، ولا يرضى سوى بالوضوح، وضوح اللون الواحد. قاد "لينين روسيا" الثورة البلشفية، بينما قاد "لينين مصر" ثورة المسرح الخاص، وترك الاثنان بصمة، الأول فى السياسة، والثانى فى الفن، ورحلا بنهايتين متشابهتين، بدأت بتصلّب الشرايين وانتهت بالجلطات.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

لم يكن لينين الرملى صاحب وجه واحد كما يصوره الجميع. كان كاتب مسرح عتيداً، لكنه كان كذلك كاتباً عظيماً للدراما، والسينما. كان أول معرفتى باسمه عام 84 مع مسلسل "هند والدكتور نعمان". أتذكر أنه كان يُعرض على التلفزيون المصرى الساعة 12 ظهراً يومياً.

كنا نترك ألعابنا فى الشارع عائدين جرياً إلى بيوتنا، لنحصل على جرعة المتعة اليومية، ونضحك مع كمال الشناوى والطفلة ليزا، ونشعر بالقلق مع الجد على حفيدته الشاهدة على جريمة قتل. نضحك ونقلق. نقلق ونضحك. وضعنا لينين الرملى فى دوامة يومية، وأجبرنا على إدمان هذه العلاقة النادرة بين رجل وطفلة ينتميان إلى جيلين بعيديْن. كان أمراً صعباً لنا أن نتقبل انتهاء المسلسل، فقد ارتبطنا به بشكل بالغ، كما ارتبطنا بغيره من أعمال لينين. "حكاية ميزو" و"مبروك جالك ولد".

والسؤال.. من منكم لا يشعر بالحنين إلى هذه الأعمال؟ ومن منكم لا يشعر بالحنين إلى أفلام عظيمة كتبها لينين؟ هل تتذكرون أنه كتب قصة فيلم "الإرهابى" على عبدالظاهر؟ أظن أن أحدكم لا ينسى أبداً عبارة أحمد راتب "لا تجادل يا أخ على" لعادل إمام. هذا الشاب الضعيف الضائع، ضحية الأفكار المتشددة، الذى يجد نفسه فجأة بعد مطاردة من الشرطة، فى قلب بيت مصرى، أفراده يحبون الحياة، ويؤمنون بحرية الأبناء فى اختيار مستقبلهم، ويقبلون بالغرباء، بل ويتعاملون معهم كأنهم جزء من الأسرة، ثم يلين القلب القاسى، قلب عادل إمام.

وقد جعل هذا الفيلم من لينين هدفاً للجماعات المتطرفة، إذ هاجموه فى ندوات، وفى صحف دينية، وفى زوايا التطرف، لكنه وقف فى وجوههم، رغم أنه كان معرضا لمصير فرج فودة.

أما المسرح فلا يحتاج إلى كلام كثير، إذ لا أظن أن هناك شخصاً مهما كان منزوع الضمير لا يؤمن بالقيمة التى منحها لينين له. كان يمكنه الاستسلام للخوف، الخوف من الفشل، وقد كان عادياً وطبيعياً ومتوقعاً، فى وقت بدأ الجميع فيه يقفزون من سفينة المسرح التجارى إلى مسرح الدولة، لكنه آثر وحده أن يستمر فى الحلم، وفى التجربة، وفى التخبط، وفى الإيمان بالهواة، والمغمورين، والمظلومين.

أزال عنهم طبقات التراب، وهو يعلم أنه يغامر بهم فى سكة صعبة، ويقامر بهم فى حلبات مهجورة، ويراهن بهم على مستقبله، وقد نجح فى الاختبار. لم يكن نجاحه عادياً إذ يُنسَب إليه الفضل فى تأسيس مسرح خاص قوى، صار بمرور الوقت أقوى من مسارح المؤسسات الرسمية، مسرح قادر على التدفق كنهر إلى ما لانهاية، رغم تعرضه لانتكاسات متوالية.

هذه سطور قليلة، لم يتبق لى منها سوى خاتمتها، وهى موجهة للمصوّتين على جوائز الدولة يوم السبت المقبل 20 مايو..

أقول لكم، أعلم وتعلمون، أن لينين الرملى لن يسقط من الذاكرة الوطنية، وأن كثيرين مثلى ومثلكم سيتذكرونه إلى الأبد، وسينقلون محبته إلى أجيال لاحقة، لكن اسم هذا الرجل فى حاجة ماسة إلى تكريم، أتمنى أن تكون بدايته منحه جائزة النيل. أعلم وتعلمون أنها الفرصة الأخيرة له، إذ أن اسمه لن يكون بمقدوره المشاركة قانونياً فى دورات أخرى، وأياً كان المنافسون وقيمتهم، فلا أظن أن أحداً يمكنه إغفال القيمة الكبرى التى قدمها إلى بلده. أرجوكم صوتوا له. صوتوا للينين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز