البث المباشر الراديو 9090
قوات الأمن فى سيناء
بدا الرئيس عبدالفتاح السيسى محددًا وبشدة فى تلخيص المخاوف المصرية بشأن تحركات الإرهاب الإقليمى.

كشف الرئيس، خلال لقاء مع مجموعة من ممثلى وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية، على هامش منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، عن مخاوف مصرية كبيرة من تحول إرهابيى المنطقة، بمختلف توجهاتهم، سواء كانوا من المحليين أو الأجانب، إلى ضفاف النيل.

قال السيسى نصًا: "لدى القاهرة حاليًا قدرات عسكرية لمواجهة الخلل الذى حدث بالمنطقة وأيضًا لمواجهة الإرهاب"، قبل أن يُفسر السبب فى ذلك، بأنه "كلما تطورت الأمور فى اتجاه التخلص من داعش فى سوريا وليبيا والعراق، يكون تواجدهم فى المنطقة الغربية وسيناء فى مصر".

وتابع: "ما حدث فى السنوات السبع الماضية، هو خروج العراق وسوريا وليبيا واليمن من المعادلة بشكل أو بآخر، وبالتالى حدث خلل فى التوازن الاستراتيجى فى المنطقة، ولا يجب أن يحدث فراغ يؤثر على أمننا واستقرارنا، وبالتالى كان لا بد أن تكون لدينا معدات عسكرية لمجابهة الإرهاب، الذى نرى أنه لا ينحصر فى المنطقة حتى بعد حملة استمرت 3 سنوات فى سوريا والعراق بتحالف من أقوى دولة فى العالم، وبالتالى لا بد أن نكون قادرين على التعامل مع الخطر المباشر على مصر".

ولكلام الرئيس الواضح أصل على الأرض، فلا تزل تحركات الإرهاب الإقليمى يستهدف القاهرة، لكن هذه المرة عبر مقاتلين أجانب ومحليين سبق لهم الانخراط فى أوساط القاعدة وداعش فى سوريا والعراق وليبيا وغيرها، قبل أن يقرر العشرات منهم العودة، على إثر تواصل الانهيارات التنظيمية الكبيرة التى يتعرضون لها فى مختلف مناطق الصراع بالشرق الأوسط.

ويمثل ملف عودة المقاتلين المصريين فى صفوف الإرهاب العابر للحدود صداعًا للقاهرة، بيد أن خطورته الكبرى تظل فى نقل خبرات قتالية متطرفة إلى ضفاف النيل، فى وقت بدت قوات الأمن أكثر حنكة ونجاحًا فى تطويق عمليات العنف الدينى المسلحة فى الداخل.

على هذا النحو، لن تقف مصر متفرجة، فيما أن احتمالات استقبالها لموجة إرهابية جديدة قادمة مع المقاتلين العائدين أو الوافدين، تزداد أكثر من أى وقت مضى.

ورصدت دراسات أمنية وبحثية معتبرة أعدادًا تقترب من 1000 مصرى عادوا إلى القاهرة بعد أن نشطوا فى حفلات الدم تحت لواء الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادى، بينما انخرط العشرات منهم فى معارك الدواعش بسيناء ضد الأمن، خلال العامين الأخيرين على الأقل.

الهجوم الفاشل على ارتكاز البرث يوليو الماضى مثلًا، استخدمت فيه آليات دواعش العراق وسوريا المشهورة باستهداف الأرض بغية اقتناصها وإعلان إمارات أو مناطق خاضعة لراية التنظيم السوداء ولو مؤقتًا.

الخبرات المستوردة والعمليات تلك، فضلًا عن العمليات ذات الحرفية على مستوى التخطيط والتنفيذ وتجهيز العتاد والمتفجرات وما شابه، لم تكن لتأتى إلى أرض المعارك بسيناء إلا بصحبة فلول العائدين والوافدين من الدواعش المحليين والأجانب.

فى هذا الصدد، أشار الرئيس، تعليقًا على هجوم "طريق الواحات"، إلى أنه تم تصفية البؤرة الإرهابية التى نفذت العملية بالكامل "عدا واحد تم القبض عليه وهو أجنبى، وستعلن اعترافاته وجنسيته قريبًا وهو الوحيد الباقى من 14 إرهابيًا".. إذًا عملية طريق الواحات تماست مع خبرات إرهابية وافدة على نحو ملموس.

ويستهدف ما تبقى من الإرهاب الداعشى والقاعدى على الأرض فى الشرق الأوسط مصر منذ فترة لتكون حاضنة جديدة لعجلة العنف الدينى المسلح.. سيناء صارت هدفًا للجميع، خصوصا مع تواصل الانهيار الكبير لمعاقل تنظيم الدولة الإرهابى فى سوريا والعراق وليبيا.

كانت الساحة السورية قد تميزت بعوامل جذب عدة للجهاديين المصريين بالأساس الذين سافروا إليها وانضموا لتنظيمات داعش أو جبهة النصرة فى الغالب، وكذلك لمن تم استدراجهم إلى هناك عبر منصات التواصل الاجتماعى حيث كان يتم الانتقال إليها عبر تركيا، إضافة إلى الساحة الليبية التى كان يتم الانتقال إليها عبر الحدود المشتركة، فيما قدمت جماعة الإخوان رعاية كاملة لهذا النزوح جنبًا إلى جنب مع مجموعة من الحركات والجماعات السلفية أشهرها حازمون بهدف القتال فى سوريا.

إلى جانب الدعم الكامل من مؤتمر "الأمة المصرية لدعم الثورة السورية" فى 15 يونيو2013 برعاية وحضور المعزول محمد مرسى، وفى تلك المرحلة برزت أسماء مثل محمد الظواهرى، وأحمد سلامة مبروك، وحازم صلاح أبو إسماعيل، ومحمد عشوش قاموا بأدوار رعاية متكاملة لعملية نقل الشباب إلى تنظيمات سوريا وليبيا.

الأمر الذى بدأت تدفع مصر ثمنًا باهظًا له، على إثر نزوح المقاتلين المصريين مجددًا إليها فى أعقاب انهيارات التنظيم فى الخارج، ولكن الأخطر أن هؤلاء يعودون بخبرات دموية مستوردة، وأحيانًا بصحبة مقاتلين أجانب على غرار ما كان يجرى فى سيناء قبل 3 سنوات مثلًا، ويبدو أنه بات يتكرر الآن.

ووفقًا للباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد جمعة، فى دراسته "عودة الجهاديين من سوريا والعراق المخاطر وسبل المواجهة"، فإن المقاتلين العائدين باتوا كجسور بين تنظيمات جهادية خارجية وجماعات محلية موالية لها، وهو ما تحقق جزئيًا أيضًا خلال العامين الماضيين، حيث أثبتت تحقيقات الأمن الوطنى أن تنظيم داعش ليبيا لعب دورا رئيسيًا من خلال استخدام بعض العائدين فى محاولات زرع خلايا إرهابية فى الداخل المصرى، لا سيما فى الصحراء الغربية والقاهرة الكبرى، خاصة فى محافظة الجيزة والصعيد، وقد اتضح ذلك بعد كشف الخلية الإرهابية التى جاءت عبر الحدود الغربية وحاولت إقامة معسكرات لها فى جبل ديروط فى سبتمير2015.

لا يجب إغفال مجموعات المقاتلين المصريين فى ليبيا، التى يقودها هشام عشماوى، ونفر من رجاله فى "المرابطون"، وهؤلاء لهم خبرة كبيرة فى الصحراء الغربية، على طريقة مذبحة الفرافرة وكمين النقب، بيد أن التضييق الليبى المدعوم مصريًا عليهم، دفعهم مجددًا للحدود الغربية.

بالتوازى مع ذلك، ثبت أيضًا أن جهاديين من جنسيات غير مصرية يصلون إلى مصر بأوامر من قيادات مصرية من العائدين من تنظيم داعش أو القاعدة تعمل على تدعيم الحالة الارهابية والمساهمة فيما يعتبرونه جهادًا مصريًا واعدًا، حيث يتم أيضًا استخدام أنفاق غزة فى التحرك والانتقال، وكذا يتم الاعتماد على الصلات مع السلفية الجهادية فى القطاع لتوفير الدم اللوجيستى والمادى.

ومن مخاطر عودة المقاتلين أيضًا، من وجهة نظر جمعة، المحاولات المستميتة لاقتناص مناطق حكم ذاتى وإقامة إمارات لهم فى المساحات الهشة كما سبق وأن حدث فى هجوم الشيخ زويد 2015.

يلجأ المقاتلين العائدين الذين يكونون أكثر شراسة أيضًا إلى استهداف المدنيين ومحاولة اجبارهم باستمرار على دفع الضرائب أو التعاون معهم، وهو ما يفسر التغيير فى سلوك "ولاية سيناء" مع القبائل هناك، من التقرب والمهادنة إلى التهديد والعداء، بالإضافة إلى محاولة استهدافهم للأهداف الغربية ومحاولة أخذ رهائن كما حدث من اختطاف "ولاية سيناء" للمهندس الكرواتى توميسلاف سالوبيك فى صيف 2015 وذبحه بعدها بأيام.

وكذا تبنى هؤلاء العائدون للبعد الطائفى تجاه الأقباط والصوفية ومحاولة توظيفه سياسيًا، والأهم "المجاهرة" بالإعلان عنه وهو التحول الجديد فى التنظيمات الإرهابية فى مصر، الأمر الذى انعكس فى عمليات من شاكلة تفجيرات البطرسية وكنيستى طنطا والإسكندرية.

وبشأن حادثة طريق الواحات، ألمح الرئيس إلى بعدها الطائفى أيضًا، فقال إن "حادث الواحات كان له صلة بشن هجمات على دير وادى الريان".

إنشاء معسكرات لتدريب المقاتلين، يعد أحد أهم مخاطر الكوادر العائدة من الصراع المسلح، إضافة إلى أن العناصر الإخوانية التى سافرت للجهاد فى سوريا وكانوا على صلة بتنظيم داعش الأم هناك، لعبت دورًا هامًا فى كسر الحواجز وسد الفجوات بين اللجان النوعية للجماعة بتنوعاتها "تحالف المقاومة الشعبية" و"العقاب الثورى" وحركة "حسم"، وبين خلايا داعش مصر، وهو ما يفسر التقارب على صعيد العمليات بين تلك التنظيمات واكتشاف خلايا ارهابية هجين تضم عناصر من مختلف الانتماءات التنظيمية.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز