الدكتور أشرف الصباغ
من الواضح أن ترامب يتعامل ليس فقط مع أوروبا، بل ومع منظومة القيم والقانون الأوروبية، والأمريكية أيضًا، بعقلية التاجر الذى لا يملك إلا البندقية.
لقد أصبحت أوروبا فى مهب الريح منذ مجىء ترامب إلى السلطة فى تلك الدولة الكبيرة التى تترأس حلف الناتو الذى يحمى تلك الدول كأعضاء فيه، ولكنه بدأ بتعديل بعض المعاهدات، والتهديد بإلغاء معاهدات واتفاقيات أخرى مع حلفائه الأقرب فى كل شىء تقريبًا.
وبالتالى، أصبحت أوروبا عارية تمامًا أمام تهديدات وضغوط وابتزاز الولايات المتحدة من جهة، وأمام مخاوفها التاريخية من روسيا التى بدأت تكشف عن سياسات وتوجهات جديدة تمامًا منذ عام 2012.
منذ أيام فقط دخل ترامب على خط التلاعب بمعاهدة إتلاف الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، فاتهم روسيا بانتهاكها، ودعا للتحضير من أجل الانسحاب منها من طرف واحد، وبطبيعة الحال أعلنت روسيا عن غضبها وتهديدها ووعيدها بأنها لن تترك هذا الأمر يمر.
وأعلن نائب وزير الخارجية الروسى، سيرجى ريابكوف، أن روسيا تدين الأعمال الأمريكية الجديدة التى وصفها بأنها ابتزازًا يهدف إلى تحقيق تنازلات من جانب روسيا فى مجال الاستقرار الاستراتيجى، وقال "نعرب عن قلقنا وإدانتنا للمحاولات الأمريكية الجديدة الهادفة إلى الحصول على تنازلات من روسيا فى مجال الأمن الدولى والاستقرار الاستراتيجى عن طريق الابتزاز".
وأكد ريابكوف أن موسكو لن تتخذ أى قرارات سريعة وغير مدروسة بسبب التصريحات الأمريكية الأخيرة، متوعدًا فى الوقت نفسه باحتمال اتخاذ روسيا تدابير جوابية حال قيام الولايات المتحدة بالانسحاب من المعاهدة من جانب واحد، وقال إنه "إذا واصل الأمريكيون الانسحاب من جانب واحد من الاتفاقات والآليات الدولية المختلفة، فلن يبقى لنا سوى اتخاذ تدابير جوابية، بما فى ذلك تدابير ذا طابع عسكرى تقنى، لكننا لا نريد أن نصل إلى ذلك".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة لم تتمكن منذ سنوات طويلة من تأكيد اتهاماتها الملفقة بتقديم تفسيرات واضحة حول أسباب ذلك، وعلى ما يبدو فإن وجود المعاهدة حول إزالة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى يعرقل نية واشنطن تحقيق سيطرتها الكاملة فى المجال العسكرى".
هذه التحذيرات والتهديدات الروسية موجهة بالدرجة الأولى إلى أوروبا، المتضرر الأول من تطوير هذه الصواريخ بالذات، ولكن يبدو أن ترامب لا يعبأ كثيرا إلا بأمرين أساسيين. الأول، استنفاد موارد روسيا فى تطوير السلاح ونشره وإبعادها عن التنمية الحقيقية، كما حدث مع الاتحاد السوفيتى قبل انهياره. والثانى، السيطرة الكاملة على أوروبا، والتأكيد على أن الولايات المتحدة هى القوة الواحدة والوحيدة فى العالم.
الاتحاد الأوروبى دعا الولايات المتحدة إلى دراسة دقيقة لتبعات انسحابها المحتمل من معاهدة إتلاف الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى مع روسيا، وقالت مفوضية الاتحاد الأوروبى للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية "إن معاهدة إتلاف الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى أسهمت فى إنهاء الحرب الباردة وتشكل أساسًا لهيكل الأمن الأوروبى منذ دخولها حيز التنفيذ قبل 30 عامًا، وبفضلها جرت إزالة حوالى 3 آلاف صاروخ حملت رؤوسا نووية وعادية وتم إتلافها بشكل مؤكد".
ورغم أن المفوضية الأوروبية دعت "الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى إلى مواصلة الحوار للحفاظ على المعاهدة وضمان تطبيقها الكامل والقابل للتدقيق والذى يلعب الدور الحيوى لأمن أوروبا والعالم برمته"، إلا أن أوروبا بدأت بالتفكير فى بناء تحالف دفاعى أمنى خاص بها فى مواجهة كل من الولايات المتحدة وروسيا.
وفى الحقيقة، تقود ألمانيا وفرنسا هذا التوجه لإقناع بقية الدول الأوروبية بضرورة هذه الخطوة، ولكن يبدو أنها خطوة سابقة لأوانها، لأنها تتعارض بشدة مع واقع التحولات الدولية الجديدة وطموحات كل من واشنطن وموسكو فى مرحلة ما بعد هذه التحولات.
الباحث السياسى البريطانى، ريتشارد ساكوا، أستاذ السياسة الروسية والأوروبية فى جامعة كنت فى كانتربرى، أعرب عن شكوكه فى أن الأوروبيين بإمكانهم إنشاء هذا التحالف الدفاعى فعلاً، وفى الوقت نفسه يرى أنه ضرورى للغاية، لأن دونالد ترامب أظهر بوضوح قلة التزامه بالناتو والاتحاد الأوروبى والمنظومة الأطلسية ككل، لذلك وقفت ألمانيا على رأس ما يسمى بالنظام الدولى.
وفى الوقت نفسه، بدأت فى العودة إلى موقفها التقليدى الذى ينطوى على التعاون مع موسكو، وبالتالى، فالتحالف الدفاعى ضد روسيا سيكون كارثة، لكن التحالف الدفاعى لا يعنى حلف ناتو جديدًا، إنما يعنى أن الاتحاد الأوروبى سيصبح أكثر استقلالية فى مسائل الدفاع والأمن، هذا هو السبب فى حاجتهم إليه، لأن أنظمة ما بعد الحرب بدأت تنهار".
ويلاحظ الباحث البريطانى أيضًا أنه "من الواضح أن النظام القديم قد انهار، لكن النظام الجديد لا يُبنى بعد، وهناك حاجة إليه، وكل نظام جديد سوف يحتاج إلى روسيا، ولكن الخطر هنا هو أن مبادرات الاتحاد الأوروبى بشأن التعاون مع روسيا قد تواجه فشلاً ذريعًا، أى لا ينبغى أن نقلل من قدرة القوى الأطلسية على تقويض المبادرات الأوروبية العابرة للقارات، التى تشمل روسيا".
إن الباحث يعتبر أن الولايات المتحدة فقط هى سبب المشاكل بين روسيا وأوروبا، متجاهلاً الكثير من الأسباب الجوهرية الأخرى، سواء كانت تاريخية أو متعلقة بالمنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو بمنظومتى القيم والقانون.
وفى الحقيقة، فروسيا تستفيد من كل تناقضات ترامب وأخطائه، وهو ما تفهمه أوروبا أكثر من الإدارة الأمريكية الترامبية نفسها، لتضع العالم أمام معضلة جديدة على خلفية وقوع الحضارة الأوروبية بكل منجزها الإنسانى والعلمى بين مطرقة الولايات المتحدة وسندان روسيا.