البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
لا يزال شبح الحرب بين إيران والولايات المتحدة يتجَوَّل ليس فقط فى أنحاء المنطقة، بل وأيضا فى عقول الكثيرين، لدرجة أنهم قد بدأوا بوضع الخطط والسيناريوهات ومقارنة القوات والإمكانيات.

مرة أخرى نؤكد أنه لا حرب بين الولايات المتحدة وإيران، لأن الحرب تكون بين قوى متكافئة أو متقاربة من حيث الإمكانيات والقدرات.

أما نشوب "الحرب" نفسها، فهو أمر مستبعد، نظرًا لأنه لن تكون هناك أى حرب بالمعنى العسكرى، ولأن الولايات المتحدة يمكنها أن توجه ضربات موضعية محددة إلى إيران، بعيدًا عن إدخال أى قوات أو إجراء أى اشتباكات مباشرة، عدا ذلك، فالأمور لا تخرج عن حيز "الجعجعة" و"الحنجورى" والمبالغات الصبيانية التى تهدف لتضليل وخداع الرأى العام الداخلى فى هذه الدولة أو تلك.

وكل ما يشاع عن قدرات إيران، وعن إشعالها منطقة الخليج، وإغلاقها المضايق والممرات، هو مجرد تضليل وضلالات من أجل تماسك الجبهات الداخلية لدول "الممانعة" والمجتمعات العنكبوتية التى يجرى تنشئتها وتربيتها داخل هذه الدول.

البعض يعوِّل على دخول روسيا على خط المواجهة "العسكرية"، فى حال إذا وقعت، بين الولايات المتحدة وإيران، والأخيرة أعطت انطباعا بذلك عندما سرَّبت بعض الأخبار حول إمكانية تواجد قطع بحرية روسية فى "الخليج الفارسى".

وقامت وسائل الإعلام الروسية بتناول هذه الأنباء، ولكن سرعان ما اختفت، وانتهى الكلام فى هذا الموضوع، غير أن قوى "الممانعة" لا تزال تحشى رؤوس أطفالها بمثل تلك الأنباء "العجيبة"، وقد تكون هناك قوى فى روسيا نفسها تعمل على ترويج ذلك لأهداف داخلية أيضا، ومن أجل الحفاظ على الحلفاء الممانعين للغاية.

إن أقصى ما يمكن أن تفعله روسيا، هو تزويد إيران ببعض الخبراء والمستشارين العسكريين وببعض عناصر الاستخبارات الخارجية، على غرار ما فعلته مع فنزويلًا، ولكن ذلك يحتاج إلى توقيع اتفاقيات رسمية تغطى أكثر من مجال، وهو ما لن تسمح به بعض الأجنحة الموجودة فى السلطة والمعادية لروسيا، أو بلغة دبلوماسية، التى لا ترغب فى سيطرة موسكو على طهران كما سيطرت على دمشق.

ولكن لا أحد يمكنه أن يعرف ماذا يمكن أن تفعل المواجهات المسلحة أو العقوبات الخانقة! وفى كل الأحوال، لن تغامر روسيا، إذ تكفيها مغامراتها فى أوكرانيا وسوريا وحجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة التى يجرى التعتيم عليها، ولكن لا شىء يظل طى الكتمان أبدا. ولدينا نماذج كثيرة مثل جرائم واشنطن فى فيتنام، وجرائم موسكو فى تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان.

إن روسيا تعوِّل على شق الصف الأوروبى فى الكثير من الملفات، وعلى رأسها ملفات أوكرانيا، والدرع الصاروخية، والأسلحة متوسطة وقصيرة المدى، والملف الإيرانى.

والهدف من ذلك هو سحب أوروبا بعيدًا عن الولايات المتحدة، سواء بالتهديدات النووية أو بحرب برية أو بتدمير الاقتصاد الأوروبى عسكريا.

ولكن إلى الآن لا يوجد أى صدى لتهديدات روسيا الموجهة إلى أوروبا، وما يهمنا هنا، هو الملف الإيرانى، إذ أن روسيا تعوِّل على أن تستمر أوروبا فى تنفيذ التزاماتها نحو الاتفاق النووى، وأن تعارض واشنطن، وأن تتعاون مع موسكو، ولكنها فى الوقت نفسه تعرف جيدًا أن ذلك لن يحدث أبدًا إلا فى رؤوس بعض الساسة المراهقين، وفى الصحف والمواقع ووسائل الإعلام الروسية المنفصلة عن الواقع.

إن أوروبا لن تخسر أى شىء، والاقتصاد الأوروبى لن يتأثر إطلاقا بمشاكل إيران أو حتى بحربها مع دول الخليج أو تعرضها لضربات أمريكية.

ويبدو أن موسكو لا تستطيع أن تصدق، أو ترفض أن تصدق أن أوروبا فرضت على روسيا نفسها عقوبات بسبب أوكرانيا ولأسباب أخرى كثيرة، ولم يهتم الاتحاد الأوروبى بحجم الاقتصاد الروسى، ما يعنى أن "التهويمات" و"التخريفات" بقوة الاقتصاد الإيرانى، وتأثير النفط الإيرانى، وقوة إيران العسكرية، كلها مجرد ضلالات إعلامية وصبيانية للاستهلاك الداخلى وبث الفوضى المعلوماتية، لأنها ببساطة لن تُقَارن بقدرات روسيا وإمكانياتها، ومع ذلك فقد استغنى الاتحاد الأوروبى عن تلك الإمكانيات والقدرات وفرض على موسكو عقوبات اقتصادية وعسكرية وأمنية.

لقد نشأت فى السنوات الأخيرة منطقة مصالح متشعبة بين روسيا ودول الخليج العربى، وعلى رأسها السعودية والإمارات، ومن الصعب أن نتصوَّر أن تغامر روسيا بهذه المصالح الواعدة والتى يمكن أن تدعم الاقتصاد الروسى الذى يئن تحت وطأة العقوبات الأمريكية والأوروبية، وبطبيعة الحال، فإن الاستثمارات الخليجية فى روسيا وشراء الأسلحة غير المهمة، أو حتى المهمة، أو تدشين بعض المشروعات المشتركة لن تكون بعيدة عن تفاهمات وتنسيقات خليجية أمريكية، ولن تكون شبيهة بالمغامرات التركية التى ستظهر نتائجها إن عاجلا أو آجلا على مستقبل أردوغان شخصيا وعلى حزبه الإسلامى المحافظ.

روسيا لن تدعم إيران فى أى حرب، سواء مع دول الخليج أو مع الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنها لم تجن بعد ثمار أى اتفاقات اقتصادية أو عسكرية مع دول الخليج، إلا أنها تعوِّل على تعاون طويل الأمد مع هذه الدول، لعله ينقذها جزئيا من كوارث العقوبات أو يمنحها ورقة إضافية لمناورات جيوسياسية مرتبطة بتحولات ما مستقبلية أو متعلقة بنتائج غير موقعة للعلاقات القلقة بين واشنطن وحلفائها فى المنطقة.

وفى الوقت نفسه، لن تتخلى عن إيران التى تمثل، إلى الآن، ورقة رابحة لموسكو فى مناوراتها مع الغرب عموما، ومع كل من أوروبا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، لأن تخلى موسكو عن طهران، على الأقل فى الوقت الراهن، يُفقد روسيا أداة ضغط ناعمة على دول الخليج، ويضع كلا منهما "روسيا وإيران" بين فكى الولايات المتحدة، بالضبط مثلما يحدث بالنسبة لكل من روسيا وتركيا وتناقضاتهما فى إدلب، وعدم قدرتهما على الانفصال أو فك الارتباط أو إعلان أى شكل من أشكال تردى العلاقات أو الفشل، هذا على الرغم من وجود كل ذلك فى علاقات موسكو وأنقرة.

إن روسيا دولة رأسمالية لديها مصالح وطموحات تسعى إلى تحقيقها ببرجماتية روسية ذات سمات خاصة للغاية، وسط صراعات رأسمالية ضارية تقودها دول أغنى من روسيا وأقوى منها وأكثر تجذرا فى التقاليد الرأسمالية أيضا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز