البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أشرف الصباغ
لم تكن دعوة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لإنشاء جيش أوروبى موحد هى الأولى من نوعها خلال العامين الأخيرين.

لقد سبق هذه الدعوة، دعوات محددة ومباشرة من جانب ألمانيا بضرورة استحداث منظومة دفاعية أوروبية، وذلك بعد أن تيقن عدد من الدول الأوروبية من مخاطر السياسات الأمريكية – الترامبية، وإصرار روسيا على المواجهة والمضى قدما فى استهداف أوروبا كجبهة رئيسية وخط دفاع لحلف الناتو عموما، وللولايات المتحدة المختفية وراء المحيط بشكل خاص.

كل المؤشرات تؤكد أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، هو أداة صماء وقاسية فى يد النخبة الرأسمالية العالمية التى تريد إعادة ترسيم العالم اقتصاديا وجيوسياسيا، وفى الحقيقة لا الديمقراطيين ولا الجمهوريين مختلفين على مبدأ تحديث المنظومة الرأسمالية من أجل اللحاق بالنخبة، ولكن الاختلاف على الأسلوب.

وعلى الرغم من كل المشكلات والخلافات والصراعات بين الحزبين الرئيسيين فى الولايات المتحدة، إلا أن التاريخ أثبت، وما زال يؤكد، وجود تناغم خطير بين الحزبين وكتلهما فى مجلسى الكونجرس فى القضايا المحورية والجوهرية، مع وجود خلافات على قضايا أخرى فرعية وهامشية، وهى ما تركز عليه عادة وسائل الإعلام وبرامج التوك شو والكثير من الساسة ولوبيات المال والأعمال.

لقد جاء ترامب إلى البيت الأبيض بدون رضاء النخبتين فى الحزبين الرئيسيين لأسباب تعود إلى "تكلس" هاتين النخبتين وخوفهما من التغيير من أجل حفاظهما على مكاسب خاصة، وتصورات عتيقة. إضافة إلى أن هاتين النخبتين بدورهما مجرد ألعوبة فى يد النخبة الأكبر التى تمثل القاطرة الحقيقية للمنظومة الرأسمالية.

هذه القاطرة تحديدًا لن تسمح أبدا بإزاحة ترامب عن السلطة قبل أن يهدم قوانين العالم القديم باتفاقياته ومعاهداته وأدواته العتيقة. ساعتها فقط سيرحل ترامب إما بانتهاء ولايته أو بعزله، أيهما أقرب.

وبالمناسبة، سيسفر ذلك عن تغيرات وتحولات تاريخية فى الداخل الأمريكى على مستوى شكل الدولة وقدراتها وطاقاتها الكامنة.

إن غالبية ما يكتب الآن عن المشاكل فى الكونجرس وانهيار أمريكا، وعن صعود روسيا، وعن الحرب العالمية الثالثة، وعن سيادة الصين المقبلة، وعن الصدام بين أمريكا وأوروبا، مجرد عصف ذهنى يرضى الذين يكتبوه ويمنحهم الإحساس بالذكاء الخارق والقدرة على قراءة الطالع. وعموما، فالنخبة الرأسمالية التى تمثل قاطرة المنظومة وطوق نجاتها وعامل استمرارها نجحت فى أن تختار هذه الشخصية الشعبوية والطموحة والعدمية، كأداة صماء لإنقاذ المنظومة.

المدهش هنا، هو أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين صرَّح بأن فكرة تشكيل جيش أوروبى ليست بجديدة، وهى إيجابية لتعزيز التعددية فى العالم، جاء هذا التصريح تعليقا على اقتراح ماكرون، خلال الاحتفال بفاعليات الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى فى باريس.

ورأى خبراء أن ترحيب بوتين بفكرة ماكرون ينطلق من مصلحة روسيا فى تفتيت حلف الناتو، أو فى أسوأ الأحوال الحد من نفوذ الحلف الذى تعتبره روسيا حلفا عدوانيا ومناوئا لمصالحها وطموحاتها الجيوسياسية. وألمحوا بأن ظهور جيش أوروبى موحد سوف يضعف هيمنة الولايات المتحدة بشكل عام، وفى الفضاء الأوروبى تحديدا، الأمر الذى يمكنه أن يوفر لروسيا الكثير من الموارد المالية والعسكرية التى توجهها لسباق التسلح ومواجهة توسع الناتو شرقا.

أما حلف الناتو فهو يشكك فى جدوى الدعوات الألمانية والفرنسية، حفاظا على وجوده. ويحاول قدر الإمكان التخفيف من الصدمات التى يوجهها ترامب بشكل دورى إلى حلفاء الولايات المتحدة وإلى منافسيها وخصومها. وبطبيعة الحال، فالناتو هيكلية خاضعة أيضا لإمكانية التغيير والتطوير. ولكنه إلى الآن خاضع تماما للولايات المتحدة ولتوجهاتها السياسية التى تتغير أولوياتها مع كل إدارة، وإن كانت هناك بعض الثوابت التى لا تتغير بخصوص روسيا والصين.

إن أوروبا تتعرض لأكبر حملة تهديد واسعة النطاق منذ الحرب العالمية الثانية، موجهة من جانب قوتين عسكريتين نوويتين، هما الولايات المتحدة وروسيا. الأولى، تريد تدجين أوروبا تماما والسيطرة على مقدراتها المالية وطاقاتها الكامنة، والثانية توجه تهديدات عسكرية مباشرة لأوروبا لفصلها ليس فقط عن الولايات المتحدة، بل وأيضا لفصلها عن طريق تطورها وعن منظومة قيمها التى دفعت ثمنها غاليا.

وإذا شئنا الدقة، فإدارة الرئيس ترامب تشترك أيضا مع روسيا فى النقطة الأخيرة المتعلقة بتدمير منظومة القيم الأوروبية، ودفعها إلى طريق أشبه بالتبعية والشعبوية التى تتعارض مع منظومة القيم الأوروبية العامة ومنجزها التاريخى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وبالتالى، ففكرة إنشاء جيش أوروبى موحد قد تكون فى ظاهرها عسكرية – دفاعية، ولكنها فى جوهرها من أجل الحفاظ على منظومة قيم إنسانية وقانونية وإبداعية تتعرض لضربات خطيرة وممنهجة من قوى عسكرية نووية تتصارع على مناطق النفوذ وتصريف التراكمات المالية وفوائض القيمة وتسعى للسيطرة على مصادر الطاقة وطرق نقلها وبيع أكبر قدر من الأسلحة، واضعة نصب عينيها نشر الفوضى والشعبوية وإشعال الحروب واستقطاب التنظيمات المتطرفة و"تخزين" المزيد من الأموال، على حساب شعوب الحضارات القديمة ومنظومة القيم الأوروبية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز