البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أشرف الصباغ
تتزايد التساؤلات حول نجاح أو فشل وسائل الاتصال الحديثة فى كسر العديد من المفاهيم والأشكال التقليدية للنخب عمومًا، وللنخب الثقافية على وجه الخصوص.

وفى علاقة مباشرة بهذا التساؤل الوجودى بالنسبة لأجيال مطلع الألفية الثالثة وما بعدها، لا يمكن أن نتجاهل كتابات فلاسفة ومفكرى نهاية القرن 19، وبداية القرن العشرين، حول أهمية وخطورة التقدم العلمى – التقنى والتى حذروا فيها من الركون إلى الكلاسيكيات والتفسيرات الكلاسيكية للمفاهيم، وعدم الاهتمام بالثورة العلمية – التقنية التى يمكن أن تؤسس لتحولات جذرية فى الأشكال والتراكيب، ومن ثم فى المفاهيم.

هذا ما حدث بالضبط مع العديد من المفاهيم، مثل العمال أو الطبقة العاملة، والإنتلجنسيا أو النخب، وإذا ما تحدثنا عن النخبة الثقافية، فسنجدها تنطلق من جوهرها المحافظ فى العالم العربى، إذ تحافظ دائمًا على مسافة محددة، وبشكل ضمنى، من التقدم العلمى – التقنى، إلا أن وسائط الاتصال الحديثة هى إحدى ثمرات هذا التقدم الهائل فى المجال العلمى – التقنى.

ومع تطور هذه الوسائط وانتشارها، تهدَّمت الحدود بين العديد من أشكال الإنتاج الثقافى والمعرفى من جهة، وانهار العالم السكونى المحافظ الذى تعيش فيه هذه النخبة، أى أن الواقع يتغير بشكل مذهل، بينما النخبة، أو النخب، الثقافية لا تزال تعيش فى واقع ترى أن إحدى مهامها الحفاظ عليه على اعتبار أنه مصدر إلهامها والبئر الذى لا ينضب، والمخزون الذى يمدها بالمادة التى تعمل عليها.

وسائط الاتصال الحديثة لم تكسر المفهوم التقليدى للنخبة الثقافية فقط، بل هدمت مفهوم النخبة الثقافية وبقية النخب الأخرى، لدرجة أننا نسمع أصواتًا كثيرة من بين هذه النخب تطالب بوضع قيود ما على هذه الوسائط، وعلى ما نتج عنها من منجزات تقنية وترفيهية وإبداعية، وهو ما يتعارض تمامًا مع وظيفة النخبة الثقافية تحديدًا، وبدرجات أقل مع وظائف بقية النخب.

وإذا نظرنا إلى الوجه الآخر من عملية الهدم هذه، قد نجد أن وسائط الاتصال الحديثة لم تؤثر فى هذه النخبة الثقافية المحافظة التى تتأرجح بين قيودها الذاتية وبين القيود التى تُفْرَض عليها، وبمعنى أوضح، فالنخبة الثقافية نفسها لم تتأثر كثيرًا بهذه الوسائط، لأنها نخبة متواضعة فى فهمها للتقدم العلمى – التقنى، وأقل النخب تفاعلا مع هذا التقدم، وهذا يمثل جزء من أزماتها الخاصة والذاتية والوجودية معًا.

انطلاقا من كل تلك الأسباب السابقة، أصبح من الصعب الآن أن نحدد ملامح النخبة الثقافية، ومن الأصعب أن نبلور مفهومًا واضحًا لها، وبالطبع يمكن أن نلجأ نظريًا – وهذا ما يحدث عادة – إلى تعريفات كلاسيكية مثل مفهوم المثقف، والمثقف العضوى لدى جرامشى أو غيره، ولكن هذا لن يحل مشكلة انهيار المفهوم فى ظل الانتشار المتسارع للتقدم العلمى والتقنى من جهة، ونجاح وسائل الاتصال فى هدم كل التصور القديمة لدى المثقف، وتدمير كل عالمه الكلاسيكى السكونى المحافظ.

وفى نهاية المطاف، فبلورة مفهوم جديد لهذه النخبة يحتاج إلى وقت ليس بالقصير لصياغة عدة مفاهيم متنوعة لهذه النخبة انطلاقًا من رؤية العالم والتعامل مع المنجز "العلمى – التقنى"، والمشاركة فيه أيضًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز