الدكتور أشرف الصباغ
لم يكن غريبا أن يشير مشروع "عقيدة الأمن المعلوماتى" الروسى إلى أن "وضع أمن المعلومات فى روسيا فى مجال العلم والتكنولوجيا والتعليم يتسم بمستوى غير كاف لفاعلية الأبحاث العلمية المتعلقة بوضع تكنولوجيات معلوماتية واعدة، والمستوى المنخفض لاستيعاب التقنيات الوطنية، بالإضافة إلى مستوى غير كاف لتوفير الكوادر في مجال الأمن المعلوماتى".
من جهة أخرى، أشار المشروع إلى تخلف روسيا عن الدول الأجنبية الرائدة فيما يتعلق بتطوير التكنولوجيات المعلوماتية القادرة على التنافس، وقبل كل شىء، التكنولوجيات الحاسوبية الفائقة.
وجاء فى المشروع بهذا الخصوص أن "وضع أمن المعلومات فى روسيا الاتحادية فى المجال الاقتصادى يتسم بتخلف روسيا عن الدول الاجنبية الرائدة فيما يتعلق بتطوير التكنولوجيات المعلوماتية القادرة على التنافس، بما فى ذلك الحاسوب الفائق، وفى استخدامها لصناعة المنتجات وتقديم الخدمات على أساسها".
كما تمت الإشارة أيضا إلى "المستوى العالى" لاعتماد الاقتصاد الوطنى والصناعة الروسية على التكنولوجيات المعلوماتية الاجنبية.
وأكد مجلس الأمن القومى أن الدول الأجنبية تزيد من التأثير على البنية المعلوماتية الروسية لتحقيق الأهداف العسكرية، وتقوى من العمل الاستخباراتى التقنى ضد أجهزة الدولة الروسية وشركات المجمع الصناعى العسكرى فى روسيا.
وذكر المشروع أن "أحد أهم العوامل السلبية التى تؤثر على حالة أمن المعلومات فى روسيا، هو تعزيز الدول الأجنبية المتقدمة القدرات للتأثير على البنية التحتية للمعلومات الروسية، بما فى ذلك البنية التحتية الحيوية للمعلومات من أجل تحقيق أهدافها العسكرية".
الخطير فى الأمر أن المشروع أشار صراحة إلى أنه "فى نفس الوقت يجرى تعزيز العمل الاستخباراتى التقنى ضد أجهزة الدولة الروسية ومنظمات البحوث العلمية ومؤسسات المجمع الصناعى العسكرى، وكذلك اتساع نطاق الجرائم الإلكترونية، وقبل كل شىء فى المجالين النقدى والمصرفى، حيث يزداد نطاق الجرائم الإلكترونية، فى هذين المجالين وغير ذلك من مجالات السوق المالية، ويزداد عدد الحوادث المتعلقة بانتهاك حقوق المواطنين المشروعة فى الحفاظ على الأسرار الشخصية والعائلية والبيانات الشخصية أثناء استخدام الأنظمة المعلوماتية وشبكات الاتصال".
لقد رأى ممثل الرئيس الروسى الخاص لشؤون التعاون الدولى فى مجال أمن المعلومات أندريه كروتسكيخ أن رفض الناتو الحوار مع روسيا فى مجال الأمن السيبرانى، هو محاولة من الناتو لتبرير استعداداته العسكرية فى مجال تكنولوجيا المعلومات، مؤكدا أن موسكو سترد على أى عمل عدائى من جانب التحالف، بما فى ذلك وفى هذا المجال.
وأضاف: "لقد قلنا لهم كثيرا، فى أى مجال لديكم مشاكل معنا، أو مطالب؟ ليس هناك أى داع للشجار، إنما بناء الحوار الثنائى للقضاء على ما يمكن أن ينشأ من الغموض أو الشكوك، لكن إذا كنا سنبنى علاقاتنا بهذا الشكل، فعندها لا داعى للغضب منا، لأننا بالطبع سنتخذ تدابير جوابية مناسبة، من الواضح أن أى أعمال عدوانية من حلف شمال الأطلسى، موسكو لن تتركها دون رد، ولن تسمح بأن يلحق الضرر بأمنها القومى".
على نفس الصعيد، أعلن وزير الاتصال والمواصلات الروسى نيكولاى نيكيفوروف أنه إذا كان حلف الناتو يرفض حقا إجراء حوار مع روسيا فى مجال الأمن السيبرانى فهذا يعتبر أمرا سلبيا للغاية، وعلى روسيا فى هذه الحالة أن تستمر فى دعم القطاع الوطنى لتكنولوجيا المعلومات.
ووفقا لنيكيفوروف فإن روسيا لديها حاليا ٨٠ مليون مستهلك لشبكة الإنترنت العالمية، بل وسيبلغ هذا العدد بعد فترة وجيزة حوالى ١٠٠ مليون مستهلك، وتتلخص مهمة الدولة الروسية فى تأمين عمل هذه الشبكة بشكل مضمون ومستقر، أما اليوم فهناك خطر يهدد ذلك بسبب أن شبكة الإنترنت يجرى التحكم فيها من موقع واحد.
من الواضح أن موسكو مستعدة للحوار مع حلف الناتو الذى يضم الدول الرائدة فى مجال المعلومات والتكنولوجيا الرفيعة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ولكن من جهة أخرى، هل حلف الناتو كحلف، أو أن الولايات المتحدة كدولة رائدة فى هذا المجال، بحاجة أصلا إلى الحوار مع روسيا فى هذا المجال؟ وهل لدى روسيا بدائل فى هذا المجال لم تعلن عنها بعد؟ وماذا لو بدأت الدول الغربية، وبالذات الولايات المتحدة فى فرض عقوبات على روسيا فى مجال الإنترنت، وربما لهذا السبب تحديدا تطالب موسكو الأمم المتحدة أن تأخد مصادر الإنترنت تحت إشرافها لكى لا تتحكم دولة واحدة فيها، غير أن الولايات المتحدة ترفض ذلك رفضا قاطعا على اعتبار أن هذا يمثل أحد إنجازاتها التكنولوجية الرفيعة ومن حقها أن تشرف عليها وتستفيد منها.
فى نهاية المطاف، لم تكن علاقات روسيا بالغرب فى مجال المعلومات والتكنولوجيا الرفيعة شفافة حتى النهاية، لأن الغرب ظل مصمما على حرمان روسيا والتضييق عليها فى هذا المجال، حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتى والتقارب مع روسيا طوال تسعينيات القرن العشرين والسنوات الأولى من الألفية الثالثة، وفى الحقيقة، فقد فشلت كل المساعى الروسية فى اختراق هذا المجال لدى الغرب عموما، ولدى الولايات المتحدة على وجه الخصوص.