البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أشرف الصباغ
لا أصدقاء ولا حلفاء ولا أعداء، هناك فقط مصالح، على أساسها سيتم تحديد الشركاء والزبائن المحتملين والخصوم والمنافسين.

هذا هو عنوان المنظومة الدولية بعد عام 2030، وهذا لا ينفى أبدًا أن العالم طوال القرنين الماضيين، وما قبلهما أيضًا، كان يسير على طريق تلعب فيه المصالح العامل المُحدد للعلاقات الدولية، غير أن المنظومة الجديدة ستكون مقترنة بغياب، أو بتغييب، عدد من الأمور المهمة، على رأسها قضايا تحديد المصير، وقضايا الأراضى التى تخضع لاحتلال أجنبى، والقضايا الاجتماعية، والحريات.

وغياب أو تغييب لا يعنى أيًا منهما الإخفاء المطلق أو التجاهل الكامل، وإنما يعنى محاولات العثور على مداخل جديدة وأساليب متنوعة، جديدة أيضًا، للتعامل مع هذه القضايا بصرف النظر عن كونها صالحة من وجهة نظر البعض، أو غير صالحة من وجهة نظر البعض الآخر.

المسألة هنا تتعلق بأمر واقع جديد فُرض على العالم لأسباب كثيرة، وتتحمل الدول الكبرى عمومًا، والنووية على وجه التحديد، المسؤولية الكاملة عن هذا الواقع الجديد، لأنها ببساطة، وبنتيجة الصراعات الرأسمالية المتوحشة والوحشية، أدخلت نفسها فى مأزق، وجرَّت بقية دول العالم معها.

السنوات الثمان الأخيرة تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط هى أولى المناطق التى سيتغير مصيرها بزاوية تصل إلى 180 درجة، وهذا بات واضحًا بشدة على خلفية التحركات الإقليمية المحسوبة بدقة، والتحالفات الجديدة التى لم تكن تخطر على بال أحد، ومصير القضايا الأبرز فى المنطقة، وعلى رأسها "القضة الفلسطينية" وقضايا الأقليات القومية التى تسعى للحصول على دول.

ستغيب القضايا الدينية والطائفية أو ستحل فى مرتبة ثالثة أو رابعة، وقد تنحرف لتدخل "عنوة" إلى بند الحريات، وكما سيجرى التلاعب بالحريات الخاصة والعامة، سيجرى أيضا التلاعب بالقضايا الاجتماعية، والملاحظ هنا أن كل الخصوم والمتنافسين سيجمعهم العداء للحريات وللقضايا الاجتماعية، وسيوظفون الكثير من الأموال والأسلحة والجهود للقضاء عليها.

وعلى مستوى علاقات الدول، أصبح من الصعب الآن، وخلال تلك المرحلة التمهيدية حتى عام 2030، أن تتمسك هذه الدولة أو تلك بتحالفات قديمة أو بمبادئ أصبحت غير صالحة، أو باتفاقيات ومعاهدات لا تحقق مصالحها، أو بمنظومة "قيم" لا يمكنها أن تقف أمام حالة التوحش الرأسمالى – النووى – التوسعى، ومسألة التخلى عن "القديم" والبحث عن "الجديد" أو التماهى مع المنظومة التى تفرضها أطراف رئيسية وفقا لمصالحها، هى مسألة وقت وأمر واقع.

لا مؤشرات إلى الآن على أن هناك ولو دولة واحدة قادرة على الخروج عن المشهد الراهن، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهى الدول التى تقود المنظومة الوحشية الحالية التى تحتاج إلى تجديد لتصبح أكثر وحشية، ولكنها ستلبى مصالح نخبها، ومصالح النخبة الرأسمالية العالمية عديمة الوطن والضمير والأخلاق، بالمعنى السياسى والإنسانى وليس فقط بالمعنى الأخلاقى.

إن حالة الاستقطاب الدولى الحالية، ما هى إلا مقدمة لفرز الدول القادرة على الحياة، أو فى أسوأ الأحوال على التماهى مع تلك المنظومة الوحشية المقبلة والانضواء تحت رايتها، وليس إطلاقًا على مواجهتها أو التنافس والصراع معها، لأن التنافس والصراع و"التنسيق غير المباشر، أو حتى المباشر" سيكون مقصورًا على الدول الكبرى التى تمتلك الأدوات الأساسية لتلبية طموحات النخبة لرأسمالية العالمية.

أما الدول الأخرى فمصيرها يتحدد على أسس أخرى تمامًا، مثل قدرتها على تغيير توجهاتها وتحالفاتها، والتنازل عن تمسكها ببعض القضايا، والتراجع عن اتفاقيات ومعاهدات تعمل على إعاقتها وتحقيق مصالحها المتواضعة للغاية.

الأمر الواقع الجديد، والذى يتم تسييده حاليًا، يفرض العديد من التحولات الجذرية لكى لا تسقط الدول أو تنهار وتتفكك، وهذا الكلام يتعلق بالدرجة الأولى، بالدول التى لم تستطع اللحاق بحركة "صناعة" التكنولوجيا والمعلوماتية وامتلاك الاحتياطيات المالية اللازمة.

ومن الواضح أن الدولة التى ستمتلك مقومات اقتصادية وتقنية ومالية محددة وأدوات صالحة للتفاعل خلال عشرينيات القرن الحالى، يمكنها أن تعبر تلك الفترة الانتقالية ليس بدون خسائر، لأن الصراع فى غاية القسوة والوحشية، والنخبة الرأسمالية العالمية مصممة بكل الطرق والأساليب على دفع العالم إلى مواجهات نوعية والعصف بكل المكتسبات الاجتماعية والإنسانية التى تحققت خلال القرن العشرين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز