أشرف الصباغ
أما النوع الثانى، فهو اعتراف بجهود وإنتاج الكاتب الكبير المشهور، ما يكرس لوجوده ويضعه فى مصاف الكتاب الأجانب والاستفادة من مزايا هذه "الشريحة".
إن الجوائز الأدبية موجودة فى كل دول العالم تقريبا، ومنها ما تعدى حدود الدولة التى ظهرت فيها لتمنح تحت هذا المسمى أو ذاك لكاتب من دولة أخرى.
هناك معايير مشتركة للجوائز الأدبية فى العالم كله، مثل جودة العمل، وقيمته المعرفية، وتأصيله لهذا التوجه أو ذاك، واتساقه مع المعايير الإنسانية العامة، وربما تكون المعايير نابعة أساسا من طبيعة الجائزة التى تمنح على عمل واحد، أو على كل الأعمال والإسهامات، أو على النزعة الفلانية العامة فى أعمال هذا الكاتب أو ذاك.
ولكن، كل ذلك يتغير نسبيًا وبدرجات متفاوتة عندما يصل إلى لجان التحكيم وتركيبتها وتوجهاتها، أو يبدأ بالتفاعل مع طبيعة الوسط الثقافى – الأدبى وطبيعة تكوينه، أو يصطدم بفهم وتناقضات الصحافة الثقافية – الأدبية والقائمين عليها وطبيعة الشلل والمجموعات.
فى وقع الأمر، إن النقطة الأكثر إثارة للقلق، والتى تدعو إلى التفكير الجدى، ليست إطلاقًا الجائزة بطبيعتها أو معاييرها، وإنما إلى العقليات القائمة عليها بداية من مجالس تلك الجوائز إلى لجان التحكيم، وشكل تعامل هذين الهيكلين مع الإنتاج الأدبى وصاحب الإنتاج.
النوع الأول من الجوائز والذى يمنح لكاتب ما على أول عمل له، والضجة الإعلامية التى تقام حول الكاتب، ثم العمل، تضعنا أمام سؤال: إذا كان الكاتب فاز بجائزة على أول أعماله، فعلى ماذا سيحصل مقابل العمل الثانى والثالث؟ ونحن هنا لا نشكك إطلاقًا فى قدرات المبدع، بقدر ما نحاول أن نلفت الانتباه إلى التراكم الإبداعى وظهور توجه أو منهج لكى يأخذ العمل الأدبى حقه الطبيعى، ثم الكاتب وليس العكس.
أما النوع الثانى من الجوائز، والذى يمنح لكبار الكتاب من حيث السن وكثرة الإنتاج، فهو نوع مراوغ نسبيًا، لأنه معرض دائمًا للتشكيك، خصوصًا وأنه أحيانًا تكون الأسماء محددة سلفًا قبل عدة سنوات وبالترتيب، لكى لا يغضب هذا الكاتب أو ذاك، أو تثور "مجموعته" الأدبية أو شلته العاملة فى الصحافة الثقافية.
ولكن الكارثة الكبرى عندما يبدأ الكاتب حياته بأن تترجم أولى أعماله، ثم تتجاهله الجوائز، لتبدأ المعارك الكبرى على اعتبار أنه حصل على صك الشهرة والاعتراف العالمى، بينما الجوائز تمنح لمن لم تُتَرْجَم أعمالهم، وغالبية المعارك لا تدور حول قيمة العمل الأدبية والمعرفية، وإنما حول الجائزة نفسها كمحدد لقيمة الكاتب فى السوق الثقافية – الأدبية.
هكذا تتغير طبيعة ومعايير الجوائز التى نراها عظيمة على الورق وفى الإعلانات والوثائق الخاصة بها، لتتحول إلى شكل من أشكال المحاصصة والثمن العينى للكاتب وليس الكتاب أو العمل الأدبى، وقد ينطبق ذلك على الجوائز الشهيرة، والكبيرة فى قيمتها المادية، أكثر مما ينطبق على الجوائز المتواضعة. هذا الكلام لا يعنى إطلاقًا أن كل الجوائز تعانى من المرض.
الأمر من وجهة نظرى يتعلق بطبيعة مجلس الجائزة ولجنة التحكيم، والمسافة من الشللية والمحاصصة والتوزيعات الإقليمية، وربما الطائفية، أو الظروف المحيطة بصحة هذا الكاتب أو سطوة ذاك الكاتب ونفوذه، ما يحيلنا مرة أخرى إلى نوع من أنواع الفساد الثقافى – الأدبى وإهدار حتى قيمة الكاتب شابا كان أو كهلا، بعد أن تكون قيمة العمل الأدبى قد أهدرت أولاً.