أشرف الصباغ
ألفيوروف من مواليد مدينة مدينة "فيتبسك" البيلاروسية بتاريخ 15 مارس عام 1930، ونال جائزة نوبل لقاء تصميمه أشباه النواقل للهياكل المغايرة وتكوين مكونات البصريات الدقيقة والإلكترونية السريعة، والمسألة لا تتوقف عند ذلك بل مد إلى نشاطات ومجالات أخرى، منها السياسى والاجتماعى والحزبى، فقد كان عام 1989 عضوًا فى مجلس السوفيت الأعلى، وفى عام 1995 تم انتخابه فى مجلس الدوما عن حزب "بيتنا – روسيا"، وفى 1999 و2003 و2007 و2011 و2016، تم انتخابه لعضوية مجلس الدوما عن الحزب الشيوعى الروسى.
واعتبارًا من عام 1991 وإلى عام 2017، شغل ألفيوروف، منصب نائب رئيس أكاديمية العلوم الروسية، وهو عضو أجنبى فى أكاديمية العلوم الأمريكية، منذ عام 1990، وفى الأكاديمية الهندسية الأمريكية منذ عام 1990، وهو كذلك عضو أجنبى فى أكاديمية العلوم الصينية.
بذل العالم الروسى جهودًا كبيرة فى تطوير تكنولوجيا النانو منذ أكثر من 60 عامًا، ولكن اختراعاته تستخدم خارج روسيا أكثر من داخلها، وأشهر المساهمة التى قدمها فى ستينيات القرن الماضى هو تطوير ما يعرف بأشباه الموصلات، وكان استخدام اشباه الموصلات التى تعمل بأشعة الليزر معروفًا قبل اكتشاف العالم الروسى، لكنه وجد طريقة لجعلها تعمل بسرعة ولفترة أطول، وساهمت دراسات ألفيوروف بشكل كبير فى تطوير وسائل الاتصالات البصرية، إذ اعتبرت ثورة فى صناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية مما سمح بإجراء آلاف المكالمات الهاتفية فى ثانية واحدة من خلال إرسال نبضات خفيفة إلى أسفل الخطوط.. كما تستخدم نتائج اختراعات ألفيوروف على نطاق واسع فى إنتاج البطاريات الشمسية.
هذا هو ألفيوروف الذى كان العالم الروسى قبل الأخير الذى حصل على جائزة نوبل فى الفيزياء، أما الأخير فقد كان فيتالى جينزبورج صاحب الإسهامات المهمة فى الفيزياء النظرية.
فى أكتوبر عام 1999، وبمناسبة مرور 275 سنة على تأسيس أكاديمية العلوم الروسية، وقف الأكاديمى، البروفيسور فيتالى جينزبورج فى مواجهة زملائه من الأكاديميين والعلماء الذين حاولوا الركون إلى العمل فى المناصب الحكومية، وتبرير التدهور العلمى، والتعلل بعدم وجود الطلب الاجتماعى أو التكنولوجى (التطبيقى) على العلوم، ليعلن: "إننا هنا نتحدث عن الطلب الاجتماعى. وأنا لا أنفى وجود قضايا ومشكلات فى الدولة وفى المجتمع، ولدى البشرية كلها.. تلك القضايا والمشكلات مرتبطة بالمناخ والتكنولوجيــا وغيرها، ولكن هناك أيضًا العلوم الأساسية التى لا يوجد فيها طلب اجتماعى، بل وليس من الضرورى أن يوجد من أساسه!".
ويواصل جينزبورج هجومه قائلاً: "لقد تحدثتم هنا عن الفيزياء النووية، ونحن نعرف من التاريخ أنهم فى حقبة الثلاثينات بالاتحاد السوفيتى سخروا من الذين كانوا يبحثون فى نواة الذرة، بل وحتى كانت هناك قرارات حكومية بهذا الخصوص، ومع ذلك كان الإيقاع الداخلى للعلم موجودًا.. فى العدد الرابع من مجلة "منجزات العلوم الفيزيائية" لعام 1999 قمتُ بنشر بحث تحـت عنوان "مشكلات الفيزياء والفيزياء الفلكية التى تمثِّل أهمية كبرى على أعتاب القرن الواحد والعشرين"، ولم أفكر أبدا فى أى تطبيقات، لقد قمت ببساطة شديدة بإحصاء 30 مشكلة علمية".
وردًا على الانتقادات والهجمات الجماعية من العلماء والأكاديميين يقول جينزبورج "إننى لا أنفى ولو للحظة واحدة ضرورة وجود قضايا هامة ومحددة – فى بلادنا أو فى أى بلد آخر - يجب أن يُبذل من أجلها الكثير، وفى المقام الأول: الأموال والطاقات العلمية. ولكننى أود أن أقول فقط إنه إلى جوار ذلك يوجد العلم ذاته. ذلك العلم الذى، ربما، من غير المنطقى أن نُقَسِّمَه إلى علم أساسى وعلم تطبيقى، ولن نمس هنا مسألة المعانى والدلالات الكلامية.. ففى العلم، وتحديدًا الفيزياء، توجد مجموعة معينة من القضايا والإشكاليات التى تتحدد بمنطق تطور الفيزياء نفسها، بينما الفيزياء يمكنها أن تبصق على ما دون ذلك: هل هذا يعود بالمنفعة على أحد أم لا؟ الأمر سيان، وهو يحدث وسيظل يحدث! ويحدث لدينا أيضا هنا! وهذا هو المنطق الداخلى لتطور العلم كعلم فى ذاته، ومن غير الممكن نسيان ذلك أو تجاهله! أما كيف يحدث ذلك عندنا - فهذه قضية أخرى".
الأكاديمى يفجينى سيميونوف دخل إلى المناقشة ليقول: "لعلى كنتُ سأتفادى تمامًا مصطلحًا مثل مصطلح الطلب الاجتماعى، وتحديدًا فى علاقته بالعلم، لأن العلم عبارة عن منظومة دقيقة جدًا ومعقدة، وكلمة مثل طلب لا تصلح بشكل عام ولا إرادى إلا للمطاعم أو أى أماكن أخرى مشابهة".
ويضيف: "إن أزمة العلم التى نعيشها هى أزمة عامة وشاملة. تلك الأزمة تنسحب على بناء الآلات، وعلى نسبة تزويد العلم بالمعدات التكنولوجية، وعلى بناء المجمعات العلمية ومن ضمنها المدارس.. إن الأزمة تتجلى فى كل شيء، ولكن هذه الأزمة، كما يبدو لى، تبدأ من أزمة الوظيفة الاجتماعية - الثقافيـة الهامة.. فعندما يتحدثون عن طلب، ومن الواضح أن الحديث يدور فعلا عن ذلك، يفقد العلم فى مجتمعنا وظائفه الاجتماعية - الثقافية الهامة".
ويؤكد سيميونوف على أن "الأزمة قد مسَّت مختلف فروع العلم بأشكال متفاوتة. ولعلها تبدو فى مجال الفيزياء أعمق وأشد، بل وأكثر الأزمات - إذا جاز التعبير - إثارة للإشكاليات: من حيث الخروج منها، وهى ليست فقط فى الفيزياء، وإنما أيضًا فى فروع العلوم الطبيعية الأخرى التى كانت مرتبطة بقوة المنظومة الصناعية العسكرية".
من الصعب المقارنة بين أحوال العلوم الروسية فى عام 1999 وعام 2016.. ومع ذلك، فمن الضرورى اتخاذ كل الاحتياطات والإجراءات الممكنة لعدم الانتقال إلى وضع "السكون" بمعناه العلمى.
المهم هنا أن فيتالى جينزبورج، الذى رأى 3 دول وحضارات (1916 – 2009)، والذى كان يشبه "الغراب الأبيض" بين الأكاديميين والعلماء الروس، حصل على جائزة نوبل فى الفيزياء عام 2003، الأمر الذى لفت الأنظار إلى مقولاته المهمة بشأن تطوير العلوم فى روسيا.. لكنه كان معروفا منذ الأربعينيات حيث شارك فى مشاريع علمية حكومية فى غاية الأهمية طوال حقبة الاتحاد السوفيتى وبعد تفككه أيضًا.
بالعودة إلى ألفيوروف، يمكننا أن ندرك أن تطوير العلوم بحاجة إلى منهج وسعى وجهود متواصلة ومن دون انقطاع، لأن أى انقطاع ولو بسيط يقابله تأخر لعشرات السنين.. أما الخلافات فى وجهات النظر وطرح الحلول المختلفة، بل والمتناقضة، فهما جزء جوهرى من عملية التطوير، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما معوقات أو سعى إلى إثارة الفوضى، بل على العكس تماما.