البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
فى بحث مهم للناقدة والباحثة الروسية سفيتلانا شيرلايموفا، حول رؤى الكاتب الفرنسى، من أصل تشيكى، ميلان كونديرا، رأت أنه يفضل كتابات تولستوى على كتابات دوستويفسكى، ويرى أن أورويل كاتب دعائى.

تقول شيرلايموفا، إن كونديرا يغفر لعدم كمال الآلة البصرية للكاتب "الذى يتحرك فى ضباب" المجتمــع التوتاليتارى - الشمولى، ولكنه عدائى تجاه المغالاة الأيديولوجية مهما كان نوعها، وهو يكشف عنها ليس فقط لدى المؤلفين "العميان"، وإنما أيضًا لدى بعض الشخصيات الهامة التى لاقت اعترافا كليا.

لهذا السبب، فهو ينظر بشكل انتقادى إلى أعمال دوستويفسكى راصدا عملية الحكم المسبق فى تصويره للطبائع الإنسانية: "إن تماثل شخصيات دوستويفسكى يتلخص فى أيديولوجيتها الشخصية التى، بشكل مباشر أو غير مباشر، تعمل مسبقًا على تحديد سلوكياتها، ولكن هل يُعْتَبَر الإنسان فى الحياة الواقعية إسقاطًا مباشرًا لأيديولوجيته الشخصية؟".

وعلى النقيض من دوستويفسكى أو فى مقابله، يقوم كونديرا بوضع ليف تولستوى "الذى يقدم لنا تصورا آخر للإنسان: فى شكل طريق متعرج، رحلة، مرحلة، والتى لا تختلف - جميعًا - مع بعضها البعض فقط، وإنما تنفى فى أحيان كثيرة المراحل السابقة وبشكل كلى". وبعد أن يحلل كونديرا كيف حدث تطور وارتقاء كل من بيير بيزوخوف وأندريه بوكلوفسكى، يقوم بإثبات أن البطل عند تولستوى يتغيَّر من أجل أن يظل هو نفسه: "الرواية فقط هى القادرة على تخمين ذلك السر - أحد أهم وأعظم الأسرار بالنسبة للإنسان - ولعل تولستوى هو أول من نجح فى ذلك".

إن ليف تولستوى بالذات - فى رأى كونديرا - قد استطاع الكشف (الذى ظهر فى بداية القرن التاسع عشر) عن تعلق المصائر الإنسانية الشخصية بأحداث تاريخية محددة وارتباط الطبائع الإنسانية بالتاريخ، كله عن طريق الاستقصاء الروائى الخاص الذى ينطوى على التفكير الفلسفى غير المنفصل عن الحياة النشطة للإنسان.

كما يرى كونديرا، حسب الباحثة الروسية، أن إمكانية التَغَيُّر لكى يظل الإنسان هو نفسه تُعْتَبَر من الصفات الإنسانيـة المهمة، وأيضا ضمانة لكمال الشخصية الفردية، ولكن كونديرا هنا يكتب بسخرية حادة عن الانتهازيين، ومن ضمنهم السياسيون الذين يُغَيِّرون مواقفهم ليس بناء على القناعات الداخلية التى توصلوا إليهـا بأنفسهم، وإنما من أجل أن يصيروا "مثل الآخرين".

وأقل ما يشغل كونديرا هو أن تتطابق وجهات نظره مع أى معايير موجودة.. فهو يدين بشكل مطلق التوتاليتارية، خصوصًا بسبب ملاحقتها للفن الطليعى، ولكنه مع ذلك على استعداد لأن يدافع عن الشاعر السوفيتى فلاديمير مايكوفسكى، ويسخر من النموذج العلمى الأكاديمى، ولا يخشى أن يُقَال عنه إنه عدو للتقدم عندما يسمى موسيقى الروك "وَجْد مُبْتَذَل" و"أنانية شاملة".

من الواضح أن التقدمية السياسية لا تبرر فى نظر كونديرا الرداءة الفنية للعمل الإبداعى. فهو يكتب حول روايـة (1984) لجورج أورويل: "إن التأثير السلبى لهذه الرواية يكمن فى نظرة الواقع الصارمة لجانبه السياسى فقط، وكذلك نظرة ذلك الجانب نفسه لمضمونه السلبى فقط، أنا أرفض تبرير مثل هذا التبسيط أو التصغير على اعتبار أنه من الممكن أن يكون مجديا كبروباجندا فى النضال ضد التوتاليتارية السيئة، إن رواية أورويل على الرغم من نواياه تتحول هى ذاتها إلى حامل لروح التوتاليتارية، ولروح البروباجندا".

وعلى ضوء ما يقوله كونديرا، فالأعمال الإبداعية للفن الحقيقى لا تتوافق مع البروباجندا المتعمدة، لطبيعتها العضوية المفطورة على الشعر والتى توحد مثل هؤلاء الكتاب المختلفين، ولكن القريبين، من وجهة نظره، مثل تولستوى وكافكا: "النوافذ مفتوحة وتطل على منظر طبيعى فى رواية كافكا، وفى رواية تولستوى فهى تطل على العالم حيث يحافظ الأبطال فى أفظع اللحظات على حرية القرار، التى تعطى للحياة عدم التكهن السعيد الذى يعتبر مصدر الشعر" (270).

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز