أشرف الصباغ
لا أحد يعرف بالضبط متى بدأت هذه المنظمة عملها فى ليبيا. ولكن نشاطها بات معروفا بعد أن أعلن الكرملين أن روسيا تحقق فى ملابسات احتجاز مواطنين روسيين اثنين على أيدى قوات أمن حكومة الوفاق الوطنى فى العاصمة الليبية طرابلس. وأن موسكو عرفت بذلك من تقارير إعلامية ويجرى اتخاذ خطوات ضرورية لتحديد ملابسات هذا الحادث وكشف أسبابه عبر وزارة الخارجية.
ولم يوضِّح الكرملين نوعية "القيم الوطنية" التى تعمل بها المنظمة، وهل هى القيم الوطنية الروسية أم القيم الوطنية الليبية، ولا ماذا كان الموظفان يعملان بالضبط فى ليبيا، وما هى علاقة "القيم الوطنية" بوجودهما هناك.
على الجانب الآخر، ظهر شخص روسى يدعى ألكسندر مالكيفيتش، معلنا أنه رئيس هذه المنظمة التى تُسَمَّى "مؤسسة حماية القيم الوطنية"، وأنها مؤسسة غير ربحية. وأكد بالفعل واقعة القبض على اثنين من موظفى منظمته. ووفقا لمالكيفيتش فإن "مهام المؤسسة تنحصر فى إجراء دراسات استقصائية اجتماعية، إلى جانب دراسات إنسانية وثقافية وسياسية فى البلاد". ولكن رئيس المنظمة لم يحدد بالضبط أى بلاد.
الأمر الآخر المثير فى هذه القضية التى ظهرت فجأة فى وسائل الإعلام الروسية، أن وزارة الخارجية الروسية أكد أنها لم تبلغ بأى تأكيد رسمى من طرابلس حول المعلومات المتداولة بشأن احتجاز مواطنين روسيين اثنين بعد اتهامهما بـ "محاولة التأثير على الانتخابات المقبلة فى ليبيا. وأن موسكو علمت بالخبر "من عدد من المصادر الغربية"!
واعترفت الخارجية الروسية أنها تأكدت من حقيقة اعتقال مواطنيها، حيث قالت إنه "بعد محاولة التحقق من هذه المعلومات عبر القنوات الملائمة لم نحصل على أى إشعار رسمى من الطرف الليبى حول الأنباء المتداولة"!
فى الواقع، تظهر بين الحين والآخر معلومات مثيرة بشأن التواجد الروسى فى الداخل الليبي. ففى فبراير 2017، دار الحديث على استحياء فى دهاليز الأوساط السياسية والدبلوماسية حول وجود قوات خاصة روسية فى ليبيا، ثم انتقل الحديث إلى وجود كتائب أمنية روسية فى بنغازي.
وبطبيعة الحال نفت كل من ليبيا وروسيا. وقال قائد غرفة عمليات سلاح الجو الليبى آنذاك، قائد قاعدة "بنينا" الجوية، العميد ركن محمد المنفور، إن "أى اتفاقات أو لقاءات مع الجانب الروسى تتم على أساس رسمى عبر الحكومة الروسية والقيادة العامة للجيش الليبي".
بينما نفت الحكومة الروسية أى دور لها فى عملية إزالة الألغام عن مصنع إسمنت فى بنغازى الليبية. وقالت الخارجية الروسية "ليس لدينا أى معلومات عن متعاقدين من روسيا تولوا إزالة الألغام عن منشأة صناعية فى منطقة مدينة بنغازى شرقى ليبيا".
وفى الوقت الذى نفت فيه روسيا وليبيا رسميا، أكدت شركة روسية خاصة قيامها بهذه المهمة. وقال رئيس شركة "إر إس بى جروب" الأمنية الروسية الخاصة أوليج كرينيتسين إن "الشركة كانت قد أرسلت عددا من موظفيها للعمل على إزالة الألغام فى أحدى المنشآت الصناعية ببنغازى".
ولكن كرينيتسين لم يذكر الجانب الذى طلب منه تنفيذ هذا العمل، ولم يقدم المزيد من التفاصيل حول المنشأة الصناعية الليبية المذكورة. وأكد أن شركته ليست عسكرية، بل عملت فى ليبيا فى إطار عقد مدني.
المدهش أن كرينيتسين أكد على أن وجود شركته، هو ترتيب تجاري، لكن الخارجية الروسية قالت فى بيانها "إنها لا تعرف كرينيتسين".
هذا فى الوقت الذى أكد فيه العميد ركن محمد المنفور أن "أى اتفاقات أو لقاءات مع الجانب الروسى تتم على أساس رسمى عبر الحكومة الروسية والقيادة العامة للجيش الليبي".
وكان كرينيتسين قد سئل فى مقابلة عن ما إذا كانت "المهمة" حصلت على مباركة رسمية من موسكو، فقال "إن شركته لم تعمل مع وزارة الدفاع الروسية لكنها تتشاور مع وزارة الخارجية الروسية".
وقال أيضا "إن المتعاقدين لم يشاركوا فى القتال لكنهم كانوا مسلحين بأسلحة حصلوا عليها فى ليبيا". ورفض تحديد نوع الأسلحة.
من الصعب أن ننفى وجود قوات خاصة أمريكية وبريطانية وفرنسية وإيطالية فى ليبيا. والجميع يعرف ذلك. وهذه القوات موجودة منذ الأسبوع الأول من مارس 2011.
والدول الأربع اعترفت بأشكال مختلفة بوجود قواتها الخاصة هناك. ولا يمكن أيضا أن ننفى أو نتجاهل الوجود الأمنى لدول الجوار الليبى فى الأراضى الليبية، وهذا أمر طبيعى ومسموح به، بل وضرورى أيضا.
أما ما يتعلق بروسيا هنا، فهو أمر شديد التعقيد، لأن موسكو لها طريقتها فى إدارة مثل هذه الأمور. هذا إضافة إلى أن الوجود التركى فى ليبيا يمثل عامل إثارة وتأليب وتفكيك، حيث تسعى أنقرة بكل الطرق إلى ضمان موطئ قدم لها هناك.
وهنا يصعب تجاهل التحالف "التكتيكي" بين موسكو وأنقرة فى سوريا، وهو ما يمكنه أن يتكرر بدرجات معينة فى ليبيا، حيث تحاول روسيا الإفلات من الحصار الغربى فى "المياه الدافئة" وغير الدافئة.
فى الحقيقة، ليبيا تشهد حالة من الفوضى والعنف، سواء بسبب نشاطات التنظيمات الإرهابية، أو بسبب التدخل الأجنبي، والتهديدات المستمرة بمواصلة هدم ليبيا من جانب العديد من الأطراف مثل تركيا التى تدعم حكومة الوفاق الوطنى الموالية لها ضد الجيش الوطنى الليبي.
ولا يمكن هنا أن نتجاهل وجود العديد من عناصر أجهزة الاستخبارات التابعة للعديد من دول العالم، وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة. ولا أحد يعرف بالضبط ماذا تفعل عناصر أجهزة الاستخبارات الغربية هناك، بينما يجرى هدم ليبيا بشكل ممنهج، والإضرار المباشر بأمن ومصالح ليس فقط دول الجوار، بل بأمن شمال أفريقيا بالكامل.