د.رانيا أبو الخير
وكان من أبرز ما نص عليه الاتفاق أن السودان دولة مستقلة ذات سيادة، ديموقراطية، فيدرالية، مؤكدا على أهمية الفصل التام بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدين فى السياسية ووقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات، مع العمل على نزع سلاح المقاتلين، وحصرهم وتنظيمهم وتحديد مواقع تجميعهم، وكذلك دمج اللائقين منهم فى المؤسسة العسكرية والشرطية وجهاز المخابرات العامة السودانى.
كما وضع الاتفاق نظاما بشأن المرحلة الانتقالية واللجنة المعنية بالتوصل إلى الاطار الدستورى المنظم لجميع التفاصيل المتعلقة بالترتيبات المستقبلية.
وغنى عن القول إن اتفاق السلام الموقع بين الجانبين، يعد نقطة الانطلاق الأولى نحو بناء دولة السودان على أسس سليمة، شريطة توافر أمرين مهمين: الأول، التزام الأطراف كافة بما تم الاتفاق عليه، وهو ما يعنى أن ثمة العديد من الترتيبات المطلوبة ليس فقط لانطلاق قطار السلام والاستقرار وإنما لضمان وصول هذا القطار إلى محطته النهائية المستهدف تحقيقها، وهو بناء دولة مستقرة وآمنة تكفل الحقوق والحريات لجميع مواطنيها على أساس من المساواة وعدم التمييز.
وفى هذا الخصوص يجدر الإشارة إلى أهمية المرحلة الانتقالية الممتدة إلى 29 شهرا، إذ إن نجاح هذا الاتفاق مرهونًا بقدرة الأطراف كافة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه فى هذه المرحلة بدءًا من تنفيذ الخطة المتفق عليها للعودة الطوعية للنازحين واللاجئين، وعقد المؤتمر الدستورى وإجراء التعداد السكانى وإصدار قانونى الانتخابات والأحزاب وتكوين مفوضية الانتخابات، وصولًا إلى إجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة بمراقبة دولية فى نهاية هذه المرحلة.
وذلك لأن الإخلال بما تم الاتفاق عليه من خطوات وإجراءات فى هذه المرحلة يعكس سوء النيات لدى الأطراف فى استكمال الخطوات الأخرى ما بعد المرحلة الانتقالية، وهو ما يعنى أن النجاح فى المرحلة الانتقالية سيسهم بلا شك فى استكمال الاستحقاقات الأخرى.
أما الأمر الثانى، يتعلق بضرورة مراعاة مدى الترابط بين الداخل السودانى بتعقيداته وتشابكاته والخارج المحيط بالواقع السودانى متمثلًا سواء فى الجوار الجغرافى المباشر وتأثيراته على أمن السودان واستقراره، أو تعلق هذا الخارج بعلاقات السودان الخارجية إقليميا ودوليا وخصوصًا علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية التى تشهد تعقيدًا يحتاج إلى حلحلة لرفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، دون أن يرتبط ذلك باشتراطات مسبقة أو إملاءات محددة.
وإذا كان وقف الحرب بمقتضى هذا الاتفاق يمثل المدخل الرئيس لإحلال الأمن والاستقرار كما نص عليه الاتفاق، فإن استكمال هذا الشرط – كما نص الاتفاق أيضا- يتطلب أن يكون هناك تداولًا سلميًا للسلطة فى السودان بهدف الحفاظ على وحدة الشعب وأرضه وإقرار الحكم العادل والرشيد، وهذه الشرطية مهمة لبعث رسالة طمأنة لجميع الأطراف بأن المستقبل لن يشهد احتكارًا للسلطة.
نهاية القول، إن السودان بموقعه الجيواستراتيجى وبموارده المتعددة وبقدراته المتنوعة، يحتاج إلى تضافر الجهود الدولية والإقليمية للحفاظ على وحدة أراضيه واستقرار شعبه وضمان تقدمه، حتى لا يتحول إذا ما غابت الدولة إلى مرتع للإرهاب والإرهابيين كما هو الحال فى ليبيا حاليا، فهذا الاتفاق هو المنقذ الأول للسودان من الوقوع فى فك التفكك والانهيار والفشل، بما يستوجب من الجميع داخليا وخارجيا التضافر سويا لإنجاح هذا الاتفاق لإنقاذ السودان من مصير محتوم إذا ما أخلت أطرافه بالتزاماتها.