عظة البابا تواضروس
وألقى البابا تواضروس عظة جاء نصها كالتالى:
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. آمين. تحل علينا نعمته ورحمته، من الآن وإلى الأبد. آمين.. كل سنة وحضراتكم طيبين فى هذا اليوم الذى هو أحد الأعياد السيدية وهو الخميس الكبير أو خميس العهد وهو أحد ثلاثة أعياد تأتى يوم خميس، فصح يونان وخميس العهد وعيد الصعود.
وفى أسبوع الألآم، الأسبوع الممتلئ والمشحون بالصلوات والعبادة والروحيات، نشعر أن هذا الأسبوع يحولنا من الضعف إلى القوة، من الحزن إلى الفرح.
يبدأ أسبوع الآلام بعد جمعة ختام الصوم وسبت لعازر، وأحد الشعانين ثم تبدأ البصخة، والبصخة معناها كما نعلم، عبور والعبور هو مايحدث خلال هذا الأسبوع، نعبر الضعف إلى القوة، من الحزن إلى الفرح، من الشكل إلى الجوهر، من السطح إلى العمق. فهدف هذا الأسبوع هو هدف خاص لكل واحد منا.
يوم الثلاثاء نسميه يوم الزيت والرحمة لأن فيه مثل العذارى اللاتى ملأن مصابيحن بالزيت واستعددن، وفيه تذكار لأعمال الرحمة التى يصنعها الإنسان.
يوم الأربعاء يوم الطيب والحب، الطيب الذى سكبته المرأة ومقدار الحب الذى أفاح هذا الطيب، مقابل خيانة يهوذا وما صنعه.
اليوم، خميس العهد هو يوم الماء والعهد، الماء فى اللقان، وأهمية هذا اليوم أنه يوم تستطيع أن تصنع فيه عهدًا مع الله. يوم تربط فيه نفسك بعهد وميثاق، أى وثيقة رسمية، تاخده على نفسك أمام الله. فهذا اليوم هو يوم الماء والعهد.
عهود خميس العهد:
سنتكلم عن ثلاثة عهود رئيسية يمكن لكل واحد أن يأخذها اليوم ويؤكدها فى حياته ويلتزم بها حتى السنة المقبلة، لنعود ونجدد هذا العهد.
العهد الأول هو عهد الاتضاع بغسل الأقدام:
ربنا يسوع المسيح أخذ ماء وغسل أقدام تلاميذه. وكان هذا هو الدرس الأخير. وأراد أن يجعله درسًا أخيرًا قبل الصليب ليؤكد على أهميته، وليتذكروه دائما. وهذا العهد كان من خلال الماء، بغسل الأرجل، والأرجل هى التى تحمل الإنسان، ومعروف أن القائد أو الكبير لا ينحنى إلى الأقدام. لكن ربنا يسوع المسيح أمام تلاميذه لا ينحنى كقائد، وما صنعه قلب الموازين. لأنه أراد أن يقدم هذا الدرس الهام جدًا لحياة الإنسان لكى يقدر أن يصل لحياة الصليب. وهو درس الاتضاع.
ونحن فى رحاب القديس العظيم مارمينا فى ديره فى مريوط وسير قديسين كثيرة فى هذا الدير عاشت وتعيش، ولكن المفتاح الذى يؤدى صليب السيد المسيح وحياة القداسة، يأتى من خلال الاتضاع، فالاتضاع هو حارس النعمة التى يعطينا الله إياها. إن كنا آباء رهبان أو آباء أساقفة، أو خدام كيفما يكون وضعنا، هذه النعمة لا يحرسها إلا الاتضاع.
وللأسف ليس له مكان معين تتخرج منه، ممكن تتخرج مهندس أو مدرس أو محامى لكن وتكون هذه وظيفتى، أو ممكن أصبح راهبًا فى أحد الأديرة. لكن الاتضاع لا يناله الإنسان إلا من خلال العهد.
أمنا العذراء مريم قالتها فى عبارة وجيزة، "أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ." (لو 1: 52).
وهذا العهد أعطانا إياها السيد المسيح من خلال الماء ليذكرنا أن بداية حياتنا من خلال المعمودية، معمودية الماء والروح، وهذه هى الحياة الجديدة.
والتوبة أيضًا تتم بالدموع، والدموع نوع نقى من الماء. التوبة تعنى أيضًا الحياة الجديدة. ويأتى غسل الأقدام لكى ما يكون هو العهد الجديد الذى يأخذه الإنسان ويعيش به.
شئ مهم جدًا أن الإنسان يذكر نفسه بهذا العمل (عمل الاتضاع). لدرجة أنى أحيانًا أتأمل وأقول أن الله سمح بهذا الوباء العالمى الذى يجتازه العالم كمحنة شديدة فى مواضع وبلاد كثيرة وله ضحايا بالملايين. إن هذا الوباء الذى هو فيروس صغير جاء لكى ما يخضع الإنسان ويعلمه الاتضاع، حتى وإن كان هذا تعليمًا قاسيٍّا (لأنه من خلال المرض وأعراضه) ولكنى أقصد أنه جاء ليواجه تشامخ وتكبر الإنسان، "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ." (أم 16: 18).
ولكى يبنى الإنسان عهد جديد مع الله يجب أن يتعهد أمام الله أن يعيش بهذا الاتضاع وهذه الوداعة. والسيد لما أرادنا أن نتعلم منه، وهو كنز الفضائل، قال: "تَعَلَّمُوا مِنِّى، لأَنِّى وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ." (مت 11: 29).
أظن أن الحياة الرهبانية فى أديرتنا قامت على هذا الاتضاع، فالميطانيات التى نقدمها وكلمة أخطأت سامحنى أو حاللنى التى نرددها باستمرار وحياتنا ونسكياتنا التى نمارسها داخل أديرتنا هى وسائل قوية لكى ما تعلمنا الاتضاع. إن غاب عنك الاتضاع غابت قوة الله. وإن غاب عنك الاتضاع اعلم أنك بعيد عن السماء. والاتضاع هو فى هزيمة النفس، هزيمة الذات. لأن ذات الإنسان هى التى تتحكم فيه كثيرًا. واحد شايف نفسه إنه أفضل، إنه أحسن، إن مفيش زيه، معاند دماغه ناشفه، دايما مخالف، هذه كلها أشكال تعبر عن عدم الاتضاع. علشان كده لنا فرصة فى هذا اليوم أن يكون فى قلبك وأنت واقف تصلى أن تعد الله، الوعد الأول: وعد الاتضاع. أى أكون إنسانًا متضعًّا فى حياتى، فى علاقاتى فى كلامى، فى أسلوبى، حتى فى صمتى.
العهد الثانى هو عهد الاتحاد:
وعهد الاتحاد هو الذى أسسه ربنا يسوع المسيح من خلال سر الإفخارستيا (سر التناول) وانتبه إلى أن عهد الاتحاد جاء من حبوب القمح المتناثرة التى طُحنت وصارت دقيقًا ثم دخلت النار فتحولت إلى الخبز. وحبات العنب المتناثرة عُصِرت ثم صارت كأسًا واحدًا.
والاتحاد هنا يعنى أن الإنسان يتحول من التعددية إلى الوحدانية. فى أى مجتمع نعيش فيه نحن أفرادًا، لكن المهم أن يعيش الإنسان هذه الواحدانية فى المجتمع الخاص به، ويفرح بها. وذلك فى أى مجتمع، سواء مجتمع الدير، أو الكنيسة، أو الخدمة، أو المجتمع المحلى.
هذه الوحدانية لا تأتى إلا بالنار والعصر، أى أن يجتاز الإنسان الألم، ينسحق كما انسحق السيد المسيح تحت خشبة الصليب. فقدم لنا جسده ودمه لكى ما نتحد فيه. "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِى وَيَشْرَبْ دَمِى يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ." (يو 6: 56).
انتبه لئلا يكون سلوكك فى أى مجتمع هو سلوك "المخالف" للمجموعة، "المعترض" فتشذ وتكسر هذا الاتحاد.
النهاردة يوم مهم جدًا تأسس فيه سر الافخارستيا، أى سر الشكر، تأسس من خلال السيد المسيح الذى قال لنا هذا هو جسدى وهذا هو دمى.
عهد الاتحاد أن تكون ضمن المجموع، علشان كده هناك لمحة جميلة تقدمها لنا الكنيسة وذلك يوم جمعة ختام الصوم، فى القنديل العام، نناله لكى تكون نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا صحيحة، ممتلئة صحة، لندخل أسبوع الآلام بهذه الصحة الواحدة، فنصير كأوتار فى قيثارة. الاتحاد يجعل الإنسان دائمًا ناجحًا. ومن العبارات المشهورة هنا فى البرية: "على ابن الطاعة تحل البركة" وأيضًا "المخالف حاله تالف". هذه ليست كلمات ولكنها اختبارات للحياة الحقيقية. هذا هو عهد الاتحاد، أى أن أقول أن اتحد بك ولا يكون اتحادى اتحادًا شكليًّا، أو على سبيل العادة. وإنما الاتحاد يكون اتحادًا حقيقيًّا فعليًّا.
فحينما قال لنا السيد المسيح "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِى وَيَشْرَبْ دَمِى يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ." ده تعبير قوى على أنك تثبت فى المسيح وهو يثبت فيك.
العهد الثالث هو عهد الحب:
كلنا نعلم أن السيد المسيح قام يوم خميس العهد بخمس أشياء هى: (أكل الفصح، وغسل الأقدام، وتأسيس سر الإفخارستيا، وحديث العلية، وأخيرًا الصلاة الوداعية)، والصلاة الوداعية أو الشفاعية فى البستان (المذكورة فى يوحنا 17) تعتبر قوام عهد الحب الذى يصنعه الإنسان مع الله، وسأضع أمامك بعض آيات منها تعلمنا كيف يمتلئ الإنسان من هذا الحب:
1- اسم المسيح لأن "اسم الرب برج حصين..." فى عدد 11 يقول "..." وفى التقاليد الرهبانية لدينا الصلاة القصيرة أو صلاة يسوع "يا ربى يسوع المسيح ارحمنى أنا الخاطئ" وتسمى بـ "الصلاة السهمية" لأنها كالسهم ورأسه الاسم الحسن ونقول فى التسبحة "اسمك حلو ومبارك فى أفواه قديسيك" طالما تردد اسم المسيح من قلبك تستطيع أن تقيم عهد الحب مع مسيحك، وطالما يخرج فمك الاسم الحلو المبارك لا يمكن أن يصدر كلمة خارجة بل تخرج الكلمات مصلحة بملح وحلوة.
2- الكلمة المقدسة من خلال محبتك للإنجيل وأن تعيش وتعيش وتغوص فيه، يقول فى عدد 14 "أنا أعطيتهم كلامك" فكل كلمة هى ممنوحة لنا ومن خلالها يستطيع الإنسان أن يعبر عن الحب، ويكرر المسيح كثيرًا ما نقرأه فى فصول أسبوع البصخة وصبته بأن نحب بعضنا بعضًا، فالحب يأتى من خلال عمقك فى الكلمة المقدسة.
3- حياة القداسة، يقول فى عدد 17 "قدسهم..." أى أن حياة القداسة تساعدك أن تمتلئ حبًّا، والمحبة التى تخرج منك تجعلك فى حياة قداسة، نسمع المسيح كثيرًا يكرر تعبير "الحق الحق أقول لكم" وهو تعبير عن أهمية الحق والوضوح الذى تظهر أهميته فى قوله أيضًا "قدسهم..."، أى أنك عندما تعيش فى الوصية تعيش فى القداسة وتفوح منك رائحة المسيح الزكية.
4- الوحدة، كما تحدثنا قبلًا عن عهد الوحدانية من خلال الإفخارستيا، نجد المسيح فى الصلاة الوداعية عدد 21 يقول "ليكون..."، وأرجوك أن تقرأ هذه الصلاة اليوم كثيرًا وتنتبه إلى بعض الكلمات مثل تعبيرات الوحدة، التى من خلالها تقيم عهد الحب وتحافظ عليه، وكما قال داود النبى "أحبك يا رب يا قوتى..." (مز 18)، لم يقل قوتى فى سلاحى أو معرفتى أو منصبى، بل قوتى فى هذا الحب منك أنت يا من تمنحنى القوة.
الخلاصة أيها الأحباء فى يوم خميس العهد، أنه اليوم الذى نستطيع فيه أن نقيم عهودًا ونتمسك بها طوال العام لنجددها فى العام التالى، عهد الاتضاع بغسل الأقدام، وعهد الاتحاد من خلال سر الإفخارستيا، وعهد الحب من خلال صلاة البستان (الصلاة الوداعية).
يعطينا مسيحنا أن تكون عهودنا أمامه مختومة بخاتم الروح القدس، وتكون عهودًا نقدمها له من قلوبنا. ونرجو أن يعطينا الله أن نعيش فيها ونتمتع بها على الدوام. اليوم يوم فرح حيث أنه اليوم الأول الذى نقدم فيه الذبيحة لأننا لا نقدم ذبيحة فى أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء من البصخة.
لنا سعادة كبير أن نكون فى هذا الدير العامر، دير الشهيد مار مينا بمريوط مع نيافة الأنبا كيرلس آفا مينا ونيافة الأنبا أكليمندس وكل مجمع الآباء الرهبان الأحباء الموجودين معنا. نصلى أن يرفع الله هذا الوباء وهذه الجائحة، وأيضًا يجب أن نحترس كثيرًا ونراعى الإجراءات الاحترازية لأنها خط الوقاية الأول أمام هذا الفيروس اللعين، أخاطب كل من يشاهدوننا ويسمعوننا أن يلتزموا ولا يستهينوا بهذه الإجراءات، فهى رغم بساطتها (من غسل الأيدى وارتداء الكمامة والتباعد الجسدى والالتزام بالتهوية الجيدة والطعام الصحى الغنى بالعناصر الغذائية لتقوية جهاز المناعة) لكنها تحمى بصورة كبيرة جدًّا، فأرجوكم أن تلتزموا بالأعداد المحدودة فى الكنائس، فالقداسات المقامة فى الكنائس كثيرة وكلها بنفس الفاعلية، ويهمنا أن نحافظ على صحة الجميع.
ليحفظ الرب ويبارك الجميع، ويتمم لنا البصخة المقدسة بسلام ويرينا فرح قيامته. له كل مجد وكرامة، من الآن وإلى الأبد. آمين.