إبراهيم نجم
وأضاف أن هذه الأفكار المتطرفة التى تستتر غالبًا خلف ألفاظ فضفاضة، مثل: جاهلية المجتمع، والحاكمية، والولاء والبراء، وأستاذية العالم، وغيرها من تلك المصطلحات الغامضة التى تختفى داخلها معانى التكفير والقتل والتفجير والصدام مع المجتمع ومع الدولة والوطن، واعتبار كل من يخالف هذه الأفكار محلَّ تهمة فى دينه وأنه من ثمَّ مستهدَف من قِبل هذه الجماعات.
وأوضح أن مؤتمر مركز سلام لدراسات التطرف لا يكتفى بطرح هذه الأفكار فحسب، وإنما من أهدافه الأساسية وضع الاستراتيجيات التى تمثِّل الحلول الجادة العلمية لمشكلة التطرف، بعيدًا عن الأساليب العاطفية والخطب الطنانة، حيث يهدُف المؤتمر إلى توحيد رؤية علماء العالم الإسلامى وجمع كلمتهم لمواجهة شبح الإرهاب، الذى أصبح محل عداوة من الإنسانية كلها.
وأشار مستشار فضيلة المفتى إلى أن جمع الكلمة وتوحيد الرؤية يسهم إسهامًا كبيًرا فى القضاء على هذه الظاهرة الغريبة عن الدين وعن كل معانى الإنسانية، ويضمن عدم عودة التطرف إلى المجتمع فى المستقبل، مؤكدًا أنَّ المؤتمر مَعْنِى بمناقشة الأفكار الإرهابية التى تتردد تحت شعارات دينية كاذبة لتبرر الجرائم الإرهابية، وتعمل على تفكيك مقولات الجماعات الإرهابية ومفاهيمها، وفى الوقت ذاته ترسِّخ قيم الإسلام الحقيقية من التعايش والتفاهم بين الشعوب والحضارات، وتعزِّز من فرص التعاون الدولى فى مجال مكافحة التطرف والإرهاب، وتبادل الخبرات والتجارب الدولية فى مجال مكافحة التطرف والإرهاب.
وبيَّن أن المؤتمر يفتح آفاقًا أرحب للتعاون البحثى والأكاديمى فى هذا المجال، حيث يتضمن المؤتمر عددًا من المحاور الهامة التى تتصل بقضية التطرف والإرهاب من خلال العديد من الأوراق البحثية المتخصصة وورش العمل، فيناقش المحور الأول قضية الثابت والمتغير فى المنطلقات الفكرية للتطرف بين الماضى والحاضر، لافتا إلى أنه من المعروف أن قضية قلب المتغيرات ثوابت والوسائل مقاصد، تعد إحدى آليات نشر الجماعات المتطرفة لأفكارهم وغرسها فى عقول الشباب والعامة، حيث صوروا لأتباعهم أن قضية الإمامة مثلًا من الأمور الاعتقادية والأصول الأساسية فى الإسلام، وليست من الأمور الفقهية والسياسة الشرعية، كما صوَّروا لأتباعهم أن اتهام الناس بالكفر والخروج من الملة والحكم عليهم بإهدار الدم وإزهاق الروح، هو من الأمور الاجتهادية الفردية التى يسهل على كلِّ إنسان أن يقوم بها بمجرد قراءته لبعض الكتب وإلمامه ببعض الأفكار التى ترسِّخها تلك الجماعات فى أذهان أتباعهم.
وأوضح "نجم" أن الثوابت عند هذه الجماعات تختلف اختلافًا كبيرًا بحسب تغير أوضاعهم السياسية والتنظيمية ومدى بُعدهم أو اقترابهم من السلطة، كل هذا يؤثر فى عُرف هذه الجماعات فى تعيين ما هو ثابت وما هو متغير، فالأمر مصلحى بحت ولا علاقة له بالدين.
أما عن المحور الثانى للمؤتمر فأشار مستشار المفتى إلى أنه يتناول قضية تجديد الخطاب الدينى ودَوره فى محاربة التطرف والإرهاب، فمما لا شك فيه أنَّ عدم الاهتمام بتجديد الخطاب الدينى بشكل واسع قد سمح للجماعات المتطرفة أن تقتطع من كتب التراث كثيرًا من المسائل والفتاوى التى قيلت فى أزمان ماضية، ويرددونها على الناس فى واقع مختلف ومغاير للواقع الذى قيلت فيه.
أما المحور الثالث للمؤتمر فيأتى بعنوان: "خبرات وتجارب فى محاربة التطرف والإرهاب"، وهو يعالج جميع التجارب والخبرات التى تكونت عبر التاريخ الطويل لمكافحة التطرف، ويهدف هذا المحور إلى تعزيز التعاون وتبادل الخبرات والتجارب على المستوى المؤسسى والأكاديمى، ولا شك أن اختلاف ممارسات الإرهاب وتعدد وسائل الجماعات المتطرفة قد أوجد خبرات مغايرة فى كثير من الدول والمؤسسات التى نهضت لمحاصرة هذا الوباء الفكرى المدمر.
ومن محاور المؤتمر الهامة مفهوم الدولة الحديثة لدى أصحاب الفكر المتطرف، حيث لا يعترف هؤلاء بمفهوم الدولة ولا بالنظم السياسية الحديثة ولا بالقوانين المنظمة للشؤون السياسية والاقتصادية، ولا يعترفون إلَّا بنظام الخلافة كنظام حكم وحيد، وما سواه يعدُّ خروجًا على شرع الله تعالى.
وقال مستشار مفتى الجمهورية: "إن الجماعات المتطرفة تعدُّ المجتمعات التى لا تجتمع تحت راية الخلافة مجتمعاتٍ جاهليةً خارجة عن الإسلام، وهذا المفهوم -أعنى مفهوم الدولة فى فكر المجتمعات المتطرفة- له تداعيات خطيرة على استقرار الدول وأمن الشعوب".
جدير بالذكر أن المؤتمر الدولى الأول لـ "مركز سلام لدراسات التطرف" – يُعقد تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، وبحضور نخبة من المسئولين والباحثين والمتخصصين والأكاديميين من 42 دولة حول العالم، من بينها: الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا والهند وبولندا وسنغافورة والمغرب وتونس والجزائر.
ويعد "سلام" أحد المراكز المهمة التى أنشأتها الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء فى العالم التابعة لدار الإفتاء المصرية كمركز متخصص فى دراسات التطرف الدينى وكيفية مواجهته، ويضم المركز ثلَّة من المتخصصين ذوى الخبرات والكفاءات الكبيرة فى هذا الشأن.