البث المباشر الراديو 9090
عبد الشّافى الشّيخ
إن الأمم لا تحيا ولا تزدهر إلا فى جو من الأمن والاستقرار والتلاحم والتناغم بين أطياف المجتمع على اختلاف مشاربه، ومع نداء الوطنية تتلاشى أمامها جميع الدعوات والهويات، فيصبح الوطن هو الهدف الأسمى، والمظلة التى تجمع ولا تفرق، تبنى ولا تهدم، تدعم وتساند ولا تخذل.

وقد حبا الله تعالى مصرنا حفظها الله تعالى بهذه الثقافة المتأصلة فيها وفى شعبها منذ فجر التاريخ، فلم نسمع أبدًا فى عصر من عصورها أن اختلاف الأديان أو المعتقدات أو الأفكار والأيدلوجيات كانت يومًا ما عائقًا عن التقدم والازدهار.

ازدهرت مصر الفرعونية وفيها من الديانات المختلفة والمعتقدات المتنوعة ما فيها، لكنهم تجاوزوا هذا التنوع ووظفوه فى خدمة بلدهم مصر فتركوا ما أبهروا به العالم حضارة ورقيًا وتقدمًا، وهكذا كانت مصر فى جميع العصور والأزمان.

فى مصر فقط.. تجد القس يٌضمد جراح الشيخ.

فى مصر فقط.. تجد شيخ المسجد يحمى الكنيسة نت أن يصيبها أذى.

فى مصر فقط.. تنطلق المظاهرات مُنددة بالاستعمار الأجنبى من الجامع الأزهر ويتحد فيها الهلال مع الصليب، بل يعتلى القس منبر الجامع الأزهر.

فى مصر فقط.. تدخل الجامعات والمستشفيات والمدارس فلا تفرق بين مسلم ومسيحى.

فى الجيش.. الجندى المُسلم يحرسه ويحميه الجندى المسيحى والعكس لا تفرق بينهما.

فى مصر فقط.. يُقيم المسيحيون موائد رحمن لإفطار الصائمين فى رمضان.

فى مصر فقط.. يحضر المسلمون عزاء المسيحين فى كنيستهم ويشاركونهم الأفراح والأتراح.

فى مصر فقط.. أسماء عديدة مشتركة فلا تعرف خلفيتها الدينية أمسلم هو أم مسيحى.

الكل أصبح لديه وعى شديد بضرورة الاتحاد وتجاوز العقبات والعراقيل، الكل يُقدس الوطن من أجل رفعته، تفرقنا الأفكار فيجمعنا علم مصر مرفوعًا خفاقًا، ولا صوت يعلو فوق صوت مصر.

وامتدت هذه الثقافات المتأصلة فى جذورها حتى وجدنا هذه اللحمة التى أدهشت العالم، المسلم مع المسيحى يفترشا الأرض ويلتحفا السماء فى ثورتى الشعب التى غيرت خارطته ومسيرته، فى 25 يناير وفى 30 يونيو شهد العالم بأسره لهذه اللحمة الفريدة العجيبة.

ولا ينسى العالم كله مواقف رموز الدين الإسلامى والمسيحى جنبًا إلى جنب، وهى شخصيات تذكر فتحمد وتشكر على وعيها ودعمها ونظرتها الثاقبة مما كان له أكبر الأثر فى استقرار البلاد وأمنها.

حبى الله مصر بشيخ الأزهر الإمام الطيب فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب بمواقفه الوطنية المشهودة التى رسخت لمفهوم الأمن والاستقرار، والذى كان وجوده مع توجهات الشعب فى ثورته المجيدة 30 يونيو، ملاذًا للعديد من الحيارى والمشتتين فكريًا آنذاك، فكان وجوده بمثابة طوق النجاة الذى تمسك به كثيرون.

وجنبًا إلى جنب وكتفًا إلى كتف يعاضده ويؤازره قداسة البابا تواضرس ذلك الرجل الحكيم، خفيف الظل سهل الكلمة عميق الفكرة، الذى أعلى مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وتنازل فى سبيل وطنه عن العديد من المطالب الفئوية، وقدر المرحلة خير تقدير فحسن تعامله معها وتجاوزه لها، فكان خير ناصر ومعين راعيًا مسيرة الاستقرار بكلماته الفياضة وأسلوبه السهل الميسر وحنكته فى التعامل مع الأحداث والمواقف، فكان نبراسًا لمن أراد أن يتعرف عن قرب على أسمى معانى الوطنية وصورها.

وأعده وشيخنا الطيب شيخ الجامع الأزهر جناحى التقدم وركنى الاستقرار لمصرنا المحروسة.

حمى الله مصر برموزها الدينية الواعية، وبرئيسها الهمام الذى لا يدخر جُهدًا فى سبيل رفعة هذه الوطن، وحفظ الله الجيش والشرطة ساهرين على حماية وصيانة حياض هذا البلد الآمن، وعاشت مصر آمنة مطمئنة رغم شغب المشاغبين وحقد الحاقدين والحاسدين.

واختم بدعاء السيدة زينب لجميع شعب مصر بجميع مكوناته: "نصركم الله آواكم الله، أيدكم الله".

أد. عبدالشافى الشيخ
أستاذ التفسير والدراسات العليا- جامعة الأزهر الشريف

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز