البث المباشر الراديو 9090
المخابرات البريطانية
أى باحث يتعرض لتاريخ الحركة الحقوقية وتحديداً منظمة العفو الدولية "أمنستى" يجد نفسه لا إراديًا يضع خطًا باللون الأحمر وعلامة استفهام حول مؤسس المنظمة بيتر بينيسن.

تتجلّى الدهشة من انتماء مؤسس المنظمة للديانة اليهودية ولحزب العمال البريطانى، ثم خدمته من 1941 إلى 1945 فى "بلتشى بارك" مقر الاستخبارات، ثم تحوله للديانة المسيحية الكاثوليكية قبل وفاته.

الشكوك سببها أن أجهزة الاستخبارات ليست بعيدة عن منظمات حقوق الإنسان، واتهام منظمة العفو الدولية بأنها أحد أذرع المخابرات البريطانية فى المجال الحقوقى الدولى ليس بالجديد، وهو اتهام دائم ارتبط بخلفية مؤسس المنظمة نفسه بالمخابرات البريطانية.

عملت المنظمة منذ ظهورها على كشف الانتهاكات الحقوقية فى الدول الشيوعية، كان ذلك تقريبا فى نفس توقيت اختراق المخابرات المركزية الأمريكية للثقافة والإعلام من أجل مكافحة الشيوعية وفق ما كشفه لنا كتاب "من الذى دفع للزمار؟ الحرب الباردة الثقافية" من تأليف ف.س.سوندرز.

لماذا رفضت الدفاع عن مانديلا؟

وكانت المنظمات الحقوقية تتبع منهج استقطاب الكوادر الشيوعية للعمل فى الحقل الحقوقى الوليد فى دول العالم الثالث، ربما بمنطق الاحتواء أو تدمير تلك التنظيمات من الجذور وصهرها فى منظومة جديدة يسهل على أمريكا وبريطانيا تحريكها من خلف الستار.

إلا تلك المنظمة لم تتمكن من إخفاء قناعها طويلا بعدما رفضت الدفاع عن المناضل الإفريقى نيلسون مانديلا باعتباره سجين رأى، عقب اعتقاله من قبل سلطان الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا عام 1961، وظل ذلك العار يلاحق المنظمة إلى أن كرّمته عام 2006 فى محاولة لتبييض تاريخها.

المصيدة «1»| كيف تسلل الإخوان إلى منظمات حقوق الإنسان؟

فى مارس 2017 نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرا مطولا عن استخدام إسرائيل لفرع محلى لمنظمة العفو الدولية "أمنستى" كواجهة لوزارة الخارجية الإسرائيلية فى أواخر الستينيات والسبعينيات. وفى تقريرها الذى استند إلى وثائق رسمية أفرجت عنها وزارة الخارجية الإسرائيلية، أشارت هآرتس إلى أن بعض رؤساء أفرع منظمة العفو الدولية فى إسرائيل كانوا على اتصال منتظم بوزارة الخارجية الإسرائيلية منذ أواخر الستينيات وصولا إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضى، وكان هؤلاء المسؤولون يبلغون نظراءهم فى وزارة الخارجية عن أنشطتهم المختلفة عدا عن تلقيهم عددًا من التعليمات لتنفيذها.

وحصلت الصحيفة على الوثائق من معهد أكيفوت لبحوث الصراع الإسرائيلى الفلسطينى وأشارت الصحيفة إلى أنها تبين كيف حاولت إسرائيل التأثير فى نشاط منظمة العفو الدولية من الداخل وتحدثت عن تلقى مكتب العفو فى إسرائيل أموالًا ومساعدات مادية نقلت عبر وزارة الخارجية لتغطية الرحلات الجوية إلى الخارج والبدلات اليومية ورسوم التسجيل والمبالغ المستحقة عن مقر المنظمة.

مكتب العفو واجهة للخارجية الإسرائيلية

ويشير التقرير أيضاً إلى أن الفترة الذهبية لازدهار العلاقات بين وزارة الخارجية الإسرائيلية، ومكتب منظمة العفو كان فى الفترة ما بين عام 1974 و1976 عندما تولى يورام داينشتاين مسؤولية إدارة مكتب المنظمة.

يذكر أن دينشتاين كان يعمل سابقاً فى وزارة الخارجية الإسرائيلية وعمل كقنصل إسرائيلى فى نيويورك ووفقاً لإحدى الوثائق المكشوفة، فإن أحد الضباط العاملين لدى وزارة الخارجية الإسرائيلية حضر اجتماع تعيين دينشتاين وكان على اتصال دائم به خلال فترة رئاسته للمنظمة.

بالقطع لم تكن المخابرات البريطانية بعيدة عن الاختراق الإسرائيلى أو الإخوانى أو القطرى للمنظمة الحقوقية البريطانية، بل يمكن أن نضع عنواناً أدق للمشهد وهو التنسيق الثلاثى بينهم، وفق ثلاث حقائق تاريخية هى أن بريطانيا كانت السبب فى ظهور إسرائيل، وكانت أول متبرع لجماعة الإخوان المسلمين، وقطر هى رأس حربتها فى الخليج، وعبر المسارات الثلاثة حافظت بريطانيا على وجودها المستمر فى الشرق الأوسط رغم الهيمنة الأمريكية على مجمل التحركات، بل ليس من المبالغة القول بأن "الحليف البريطانى" كان يحمل الكثير من أوراق اللعب فى المنطقة.

ومثلما كانت بريطانيا ملاذا آمناً لجماعة الإخوان وباقى الحركات المتشددة الإرهابية، كانت ميدان تدريب لكل النشطاء والحقوقيين فى الشرق الأوسط، والجسر الدائم لحركتهم من الشرق إلى الغرب.

تجسس قطر أنهى أسطورة الحياد

ولم تكن قطر الإمارة الداعمة لجماعة الإخوان بعيدة عن عمل تلك المنظمات، وربما كانت هناك خطوط حمراء تضعها للمنظمة عند عملها فى قطر، بالرغم من ترحيبها المستمر بها واحتفاء قناة الجزيرة بتقاريرها عن الانتهاكات التى يتعرض له أتباع الإخوان والإسلام السياسى والدليل على ذلك تقرير نشرته المنظمة عن حملة تجسس واسعة قامت بها قطر ضد إعلاميين ونشطاء وعمال أجانب بهدف معرفه تحركاتهم لإثارة الانتهاكات التى تقوم بها السلطات القطرية ضد العمالة الأجنبية العاملة فى منشآت كأس العالم.

«المصيدة 2»| اكتشِف بوابة الإخوان الذهبية لدخول البيت الأبيض

كشف التقرير الذى نشرته المنظمة أواخر عام 2016 عن وصول رسائل إلكترونية لعدد من الأفراد المعروفين لديها من طرف حساب لامرأة تدعى "صافينا مالك" قدمت نفسها على أنها ناشطة متحمسة ومهتمة بحقوق الإنسان بشكل كبير لتدخل فى حوارات ودردشات مع أهداف منتقاة، قبل أن يتضح أن ذلك يندرج فى إطار حملة هجمات تصيد إلكترونية لسرقة هوية أصحاب هذه الحسابات والتجسس عليهم وهم صحفيون وحقوقيون ونقابيون وناشطون عماليون، والقاسم المشترك بين هؤلاء هو دورهم فى تسليط الضوء على قضية حقوق العمال الأجانب فى قطر والنيبال..واطلقت عليها "عملية كينغ فيش"، إلا أنها لم توجه اتهامات لقطر او لأى دولة بالتورط فى هذه الحملة.

إذًا من كان يتجسس على هؤلاء؟ وبما أنه لم يكن هناك متهم فلماذا تحدثت المنظمة عن الواقعة من الأساس؟! الإجابة حملتها وكالة دويتش فيلا الألمانية التى التقت بمسؤول قسم التكنولوجيا وحقوق الإنسان فى منظمة العفو الدولية الذى قال إن الدقة والتطور الكبير فى عمليات القرصنة تؤكد أن من يقف وراء هذه الحملة جهة حكومية، هدفها التجسس على هؤلاء الأشخاص وعرقلة عملهم والاطلاع على معلوماتهم ومصدرها، ثم تطوع وقال إن من المحتمل أن يكون الهدف من هذه الحملة هو تشويه قطر أو جهات تسعى من خلالها لتشويه سمعة قطر وتصويرها على أنها تتجسس على صحفيين ونشطاء.

الغريب أن الموقف نفسه تكرر مع مصر وقامت قطر بتبنى الحملة عبر أذرعها الإعلامية "الجزيرة" و "العربى" و"العربى الجديد" والمواقع الإخبارية والحسابات الشخصية التابعة لقطر ولم يخرج أحد ليقول إنها حملة لتشويه مصر أو يقف وراءها جهات لتشويه مصر، رغم أنها كانت كذلك، فلماذا دافعت العفو عن قطر وأدانت مصر دون دليل؟!

«المصيدة 3»| الإخوان يخترقون منظمة العفو الدولية بـ«ياسمين»

أسقطت مرة أخرى تلك الواقعة قناع الحياد والنزاهة عن وجه العفو الدولية، فقطر منطقياً تسعى للتعرف على تحركات هؤلاء النشطاء خصوصًا بعدما نال منها تقرير دولى سابق تحدث عن انتهاكات تمت ضد العمالة الأجنبية الموجودة فى منشآت كأس العالم سنة 2022، الذى حصلت قطر على شرف استضافتها عبر دفع رشوة مالية لمسئولى الفيفا وهى فضيحة دولية معروفة انتهت برحيل جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد السابق وخضوعه للتحقيق.

الأمر الآخر أن موضوع العمال الأجانب فى قطر شغل حيزًا كبيرًا فى الصحافة الدولية، ووجهت لها اتهامات باستغلال العمالة الأجنبية خاصة عمال مشاريع بناء الملاعب ومرافق البنية التحتية فيما أطلق عليه مأساة "العمل القسرى" وهو العمل فى ظروف لا آدمية نتج عنها وفاة العشرات ومنع خروج من لا يرغب فى الاستمرار دون الحصول على شهادة من رب العمل، حيث يشكل العمال الأجانب أكثر من 90 فى المائة من القوى العاملة فى قطر ومعظمهم ينحدر من دولة النيبال.. انتهى تقرير العفو ، ثم اختفى صوتها تدريجيا فى الحديث عن اى انتهاك يتعلق بقطر.

الحلقة القادمة: تحولات هيومان رايتس ووتش من الحرب على الشيوعية إلى الدفاع عن الإخوان.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً