البث المباشر الراديو 9090
طارق حجى والبابا شنودة
أعلن الكاتب والمفكر الدكتور طارق حجى، الانتهاء من تأليف كتاب بعنوان "بلا نظير" عن البابا شنودة الثالث.

وقال حجى، إن هناك أكثر من 100 لقاء جمعه مع البابا شنودة "خلال ثلاثة عقود"، فى دير الأنبا بشوى، وهو ما يسجلها الكتاب.

وأضاف المفكر: قلتُ له: حياةُ نظير جيد ما بين تخرجك فى صيف 1947 فى جامعة القاهرة بكلية الآداب، قسم تاريخ، ورهبنتك التى بدأت يوم 18 يوليو 1954، مسيرة تعكس طموحا كبيرا.

واستطرد: الشاب نظير جيد عضو حزب الكتلة الوفدية كان سياسيًا بكل ما تعنيه الكلمة، ومكرم عبيد هو من أطلق عليه شاعر الكتلة، والأديبُ والشاعرُ والصحفى والأستاذُ نظير جيد كانت كل أنشطته مخضبة بالطموحِ، والطموح نقيض الرهبنة، فكيف ولماذا استقل الشابُ الطموحُ نظير جيد سيارة إلى المكان المعروف فى منتصف طريقِ القاهرة - الإسكندرية الصحراوى بالرست هاوس، ثم سار على قدميه فى الرمال لمسافة 12 كم، ودخل دير السريان فى خطوة فاصلة فى حياته، لا سيما وأنه قضى سنوات بعد هذا التاريخ متوحدًا فى مغارة فى البرية خارج الدير.

وتابع: بمفردات أخرى، كيف فصل يوم 18 يوليو 1954 بين شخصين، الشاب الطموح نظير جيد الذى كان عمره يومها 31 عامًا، والراهب أنطونيوس السريانى المتجرد من الطموحِ حتى لو كان فى شكل رتب كنسية فهو لأكثر من 8 سنوات لم يكن حتى قمصا؟ ظل البابا شنودة كعادته الكريمة معى يتابع ما أقول حتى فرغت منه.

وأضاف: عندها قال: بوسعى أن أجيبك بنثر، ولكننى على يقين أن صديقى طارق حجى، الذى يحفظ آلاف القصائد ويقرأ الشعر من الذاكرة بطريقة عروضية فريدة سيؤثر أن أجيبه بقصيدة لى تتضمن سؤاله والإجابة عنه، وبلا تردد اخترت أن تكون إجابته بالشعر، فقرأ من ذاكرته قصيدته الرائعة هذه:-

سأهدم فى المخازن ثم أبنى.. وأجمع فضتى وأضم تبرى
وأغرس لى فراديسا كبارا.. بأثمار وأطيار وزهر
وأقطف وردة من كل غصن.. وأطرب مسمعى من كل طير
وأسعد بالحياة ومشتهاها.. وأنعم فى رفاهية وخير
وأبنى معبدا للمال ضخما.. أقدم فيه قربانى وشكرى
وماذا بعد هذا ليت شعرى؟.. سألقى الموت مهما طال عمرى
وهذا المال يا ويحى عليه.. سأترك كل أموالى لغيرى
وأفنى مثل مسكين فقير.. وأرقد مثله فى جوف قبر
ونسمة قبرة ستهب حولى.. ولا تفريق بين غنى وفقر

سأسكن فى قصور شاهقات.. وأحيا مثلما تشتاق نفسى
وأرقى مثلما أبغى وأعلو .. وتشرق فى سماء المجد شمسى
أسير فتشخص الأبصار نحوى.. وأحسب كل تاج فوق رأسى
وتحنى هامها الدنيا خضوعا.. ويحتفل الوجود بيوم عرسى
وتهتف كل حنجرة بإسمى.. وأصبح وسط تمجيد وأمسى
وأملأ ساحة الدنيا غرورا.. وأهمل كل ترتيل و قدس
وماذا بعد هذا ليت شعرى؟.. سيجرى ضائعا يومى كأمسى
وأفنى مثل صعلوك حقير.. وأرقد مثله فى جوف رمس
ونسمة قبره ستهب حولى.. ولا تفريق فى مجد وبؤس

سأقضى العمر فى جد وكد.. وأجلس فوق عرش العلم وحدى
وأصبح مرجعا فى كل فن.. وأبنى من جلال العلم مجدى
وأغدو قبلة فى كل ناد.. ولا ألقى على الأيام ندى
يسير أعاظم العلماء خلفى.. ويأتى ذكرهم فى المدح بعدى
وترفع دولة الأبحاث قدرى.. وتخشى دولة الأقلام نقدى
وأبدى الرأى فى ثقة بعلمى.. فترتج المجامع حين أبدى
وماذا بعد هذا ليت شعرى؟.. أحقا ثروة الأفكار تجدى!
سأفنى مثلما يفنى جهول.. وأرقد مثله فى جوف لحد
ونسمة قبره ستهب حتما.. تماما مثلما ستهب عندى

سأقضى العمر فى لهو الشباب.. وأختار الطروب من الصحاب
وأترك كل نبع للمسيح.. وأجرى مسرعا خلف السراب
وأصطحب المجون طول عمرى.. وأفخر بالمجون وبأصطحابى
وأنفق كل يومى فى الملاهى.. وأسقط بيت ربى من حسابى
وأطرب بالأغانى عابثات.. وأسعد بالكؤوس والشراب
وأشبع مهجتى من كل طيش.. وأرفض كل نصح أو عتاب
وماذا بعد هذا ليت شعرى؟.. سوى ذل وفقر واضطراب
وأفنى مثلما يفنى عفيف.. وأرقد مثله تحت التراب
ونسمة قبره ستهب حولى.. تمجده وتسخر من شبابى

فماذا نلت من علمى ومالى.. وماذا نلت ويحى من ضلالى؟
وماذا نلت من مجد كذوب.. تبدى مثل قصر من رمال؟
وما جدوى حياة سوف تفنى.. وقد أيقنت من سوء المآل؟
وهل فى المال عمر بعد موت.. وهل جاهى سيمنع من زوالى؟
ضلال كله لا خير فيه.. وإثم ليس فيه من حلال !
فوامجدا لسكان البرارى.. وافخرا لقس فى القلالى
ويا طوباه من يحيا غريبا.. عن الدنيا وعن صحب وآل
فلا يهتم إن جاءت وولت.. ولا يصغى إلى قيل وقال

ويحيا مثل ضيف ليس يبنى.. قصورا غير بيت فى الأعالى. واختتم حجى قائلاً: "يومها قلتُ له: القصيدةُ العبقريةُ لم تقدم الجواب فحسب بل فندت بشكل فذ جوانب السؤال، حتى التفعيلة كانت تُشارك فى عرض السؤال وبسط الجواب.. يومها أيضا ومن فرط إعجابى بإسلوبه فى قراءة الشعر سألته: لماذا يقرأ السوادُ الأعظم من الناس فى مصر الشعر وكأَنه نثر؟ هل القراءة العروضية أى التى تواكب بحر القصيدة معضلة عويصة؟ فضحكت مقلتاه وهو يقول: إتقان اللغة فى مصر وبسبب نظم التعليم أصبح أمرا شديد الندرة حتى بين المنوط بهم تدريسها".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز