جمال رائف
ترامب أصبح مشوها تماما، رغم أنه حقق نجاحات اقتصادية على الصعيد الداخلى وأيضا مكاسب على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن الأزمة أن ترامب يهدد الليبرالية التقليدية التى يدافع عنا بايدن ورفاقه، بعد أن أصبحت تلك النجاحات لا تتفق وأهداف العولمة، بعد أن حاول ترامب صناعة نموذجه الاقتصادى الجديد، فهو كان يتجه نحو تحفيز الاقتصاد المحلى، ودعم المنتج الوطنى وحمايته من المنافسة العالمية.
كما قام بالتغريد خارج السرب فيما يتعلق باتفاقية باريس للمناخ، وقرر أن الصناعة الأمريكية أولا حتى وإن كانت ملوثة للبيئة، فالمهم فرص العمل وخفض معدلات البطالة، يمكن القياس على هذا فى كافة المجالات، فباختصار ترامب نموذج لا يتناسب وأفكار الدولة العميقة فى أمريكا بحزبيها الديمقراطى والجمهورى، فهم فى نهاية المطاف من يحتكرون السلطة فى أمريكا، والتناوب فيما بينهما على مقاعد الإدارة الأمريكية، ما هو إلا ترتيبات داخلية تظهر فى شكل ديمقراطى، لكنها فى النهاية تحافظ فقط على بقاء الحزبين أعلى الهرم السياسى، وعدم السماح لتيارات سياسية وليدة الظهور على الساحة السياسية.
ولهذا جرى اغتيال ترامب سياسيا، حتى لا يتمكن من تكوين تيار سياسى جديد منافس للنخب التقليدية، بعد أن انجذبت التيارات اليمينية للرجل، بجانب بعض من المحافظين، هذا ليس دفاعا عن ترامب، ولكنه توضيحا لحقيقة الديمقراطية الأمريكية الهشة التى انكشف ضعفها، حينما دخل إلى اللعبة السياسية طرف ثالث، خاصة أن ترامب لا يمكن حسابه على الجمهوريين أنفسهم.
وعلى الفور كشرت الديمقراطية عن أنيابها، ودهست حقوق الإنسان، وسفكت الدماء، من أجل الحفاظ على السلطة بين جنبات النخب التقليدية المنحصرة داخل كل من الحزب الديمقراطى والجمهورى.
العنف مرفوض بالطبع وما قامت به بعض الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل "براود بوايز"، من اقتحام لمبنى الكونجرس، أمر غير مقبول، ولكن على الجانب الآخر قرر الحزب الديمقراطى القضاء على منافسهم بنفس العنف، بما لا يسمح له العودة مجددا إلى حلبة الصراع السياسى، لهذا يسعون لعزل ترامب فى أيامه الأخيرة، حتى يخرج معزولا بلا رجعة، ما يحطم آماله فى الترشح فى انتخابات 2024، وهو ما توافقت عليه مختلف دوائر المصالح المتشابكة فى الداخل الأمريكى.
ولهذا عطلت الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعى حسابات ترامب، لعدم إعطائه الفرصة للدفاع عن نفسه أو توضح وجهة نظره فى حجر الإلكترونى، لم ينفذ مع الإرهابيين الذين يملكون حسابات على نفس الشبكات يبثون عليها سمومهم.
ولماذا لم تحذف تلك الشبكات حسابات كل المجموعات اليمينية المتطرفة، التى قادت المظاهرات؟!، سؤال يفتح المجال أمام البحث بشكل دقيق عن مدى تأثير تلك الشبكات الاجتماعية فى الإضرابات العالمية بشكل عام، وكيف يتم وضع ضوابط عالمية تحكم عمل تلك الشبكات، التى هى اجتماعية فى الأساس، بما لا يخل بالمنظومات الحكومية حول العالم.
متابعة العرب بشكل عام والمصريين بشكل خاص، لليلة الفوضى الأمريكية، ليس نابع من شماتة أو مكايدة سياسية، ولكن الأمر أبعد من ذلك، فنحن منذ عام 2011 فى صراع مرير مع النخب الأمريكية الداعمة للفوضى فى المنطقة.
وكلما تحدثنا عن أن من يقومون باقتحام المبانى العامة وإشعال النيران فى مؤسسات الدولة، هم إرهابيين ومتطرفين فكريا، كانوا يرفضون هذه التوصيفات، ويطلقون عليهم نشطاء، والآن بعد أن تعرضوا لنفس الخطر أطلقوا عليهم النيران، واعتقلوا العشرات منهم، بل لقبوهم بالتوصيف الصحيح، وهو الرعاع الهمج.
انتظر الشعب المصرى عشر سنوات، حتى وجد برهانا كالشمس لا يمكن تزييفه فيما بعد، يفصل ما بين التطرف والأفعال الهمجية وتخريب مؤسسات الدولة، وما بين الممارسة الديمقراطية التى لها قنواتها الشرعية، عبر الأحزاب والاستحقاقات الانتخابية، وغيرها من أدوات إنفاذ الديمقراطية، بعيدا عن العنف الذى تنتهجه جماعة الإخوان الإرهابية فى مصر أو براود بويز وأنتيفيا فى أمريكا، وغيرهم من المجموعات الفكرية المتطرفة حول العالم، والتى يجب عزلها عن السياسية، وتوصيفها بالمجموعات الإرهابية وإحداث اتفاق دولى على خطورتها، ليس فقط على الصعيد المحلى لكل دولة، بل الخطر للمجتمع الدولى بشكل عام، ويهدد البشرية بحروب عقائدية، تلك المجموعات هى وقودها الخبيث.
ترامب سيخرج من مكتبه البيضاوى، وسيحكم بايدن الولايات المتحدة الأمريكية، بمعاونة رفاقه من الديمقراطيين، الذين سيطروا على الكونجرس أيضا، وقد أحكموا قبضتهم على دوائر صنع السياسة، وأيضا الرأى العام، ما يشكل خطورة حقيقية على مستقبل الديمقراطية الأمريكية، التى تشهد خريفا عصف بصورتها الذهنية وقدرتها على الصمود، فى ظل المتغيرات العالمية، والتى أظنها ستؤثر الفترات القادمة فى الداخل الأمريكى بشكل كبير، فأمريكا بعد ترامب لم تعد كما كانت فى الماضى.