د.رانيا أبو الخير
إذ ربما تكون المرة الأولى التى يصدر فيها المركز مثل هذا الفيلم الذى هدف إلى تسليط الضوء على ما حققته الدولة المصرية ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 فى ترسيخ قيم المواطنة والانتماء لدى الجميع، ورفض كل صور التمييز وعدم المساواة، بل أكدت ثورة الثلاثين من يونيو بحق على مبدأ الكل سواء فى الحقوق والواجبات، وهذا هو جوهر فكرة المواطنة التى شكلت هذه الثورة نموذجا تطبيقيا لها.
ومن دون الدخول فى تفاصيل هذا الفيلم الوثائقى الذى حظى بمشاهدات عالية، يجدر بنا فى هذا الخصوص تسجيل ملاحظتين مهمتين: الأولى، تتعلق بالذاكرة المجتمعية الواعية لما واجهته الدولة المصرية من تحد وجودى ما بعد فبراير 2011 ومحاولات الجماعة الإرهابية وأذرعها المعلنة وغير المعلنة خطف الدولة لإذلال المواطن والحط من كرامة كل من يختلف معها أو لا يناصرها فى استحواذها على شؤون البلاد ومعاش العباد، لتنفجر فى وجه الجميع أزمة المواطنة والحقوق بمختلف صورها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ودينيا وثقافيا.
ومن يتذكر هذه الفترة العصيبة فى تاريخ الدولة المصرية ومؤسساتها يدرك أهمية وجود مثل هذا الفيلم الوثائقى بل يطالب بمزيد من هذه الأعمال الوثائقية والتاريخية المعبر عنها بأية صورة مكتوبة أو مرئية أو مسموعة، لأننا نتعرض لأكاذيب وافتراءات وتضليلات من جانب الجماعة الإرهابية وأذنابها داخليا وخارجيا، وإصدار مثل هذا الفيلم هو رد عملى على كل هذه الادعاءات بشأن حقوق كل المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية وعقائدهم الدينية.
أما الملاحظة الثانية، تتعلق برؤية المواطن لمستقبل وطنه، إذ رغم كل الجهود التى تبذلها الدولة بمؤسساتها المختلفة لا يزال هناك من يرفض أن يرى الكوب المليئ بالنجاحات المتميزة التى حققتها الدولة منذ الثلاثين من يونيو.
صحيح أن الفيلم الوثائقى تناول بعدا واحدا يتعلق بالمواطنة كونها ليس فقط حقوق للمواطن وإنما هى حياة للأمم والمجتمعات، فكان عنوان الفيلم دقيقا فى مصطلحاته حينما ربط المواطنة بمفهومين "الحق والحياة"، وهو توجه وجب الترويج له إعلاميا وثقافيا وتربويا حتى يدرك الجميع أن غياب المواطنة يعنى الدخول فى أتون معارك لا تنتهى، ولعلنا جميعنا نتحدث عن الحروب الطائفية والدينية والعقائدية التى شهدت دول عديدة سواء فى المنطقة العربية أو خارجها حينما فشلت الدولة فى ترسيخ معنى الانتماء والمواطنة، فكان مصير الدولة إلى الانهيار والتفكك بعد خوضها حروبا وصراعات داخلية انهكت قدراتها واستهلكت مقدراتها، فى حين تمثل المواطنة ركيزة رئيسية فى الحفاظ على الأمن والاستقرار المجتمعى وكذلك حماية أمن الدولة وصون سيادتها من التدخلات الخارجية التى تنتهز الفرصة لبسط هيمنتها على أقاليم الدولة ولعل ما يجرى فى سوريا اليوم يعبر بجلاء عن هذه المطامع.
نهاية القول، إن دولة الثلاثين من يونيو حققت العديد من الإنجازات المادية سواء فى مجال البنية الأساسية أو مجال تحسين مستويات الدخول، خصوصا لدى الفئات الأكثر احتياجا، إلا أن أهم إنجاز غير مادى يمكن أن يحسب لدولة الثلاثين من يونيو هو نجاحها فى وقف نزيف اللحمة الوطنية بعدما تعرضت لضربات موجعة من دولة الجماعة الإرهابية التى ترفض الاعتراف بالمختلف معها فكرا وتنظيرا وتنظيما وممارسة، وهو ما عالجته الدولة المصرية ما بعد الثلاثين من يونيو باحترافية عالية ومهارة متميزة مكنتها من الخروج من بوتقة توظيف اختلاف الانتماء الدينى فى هدم الدول والمجتمعات، وهذا هو ديدان الدولة المصرية منذ فجر التاريخ حينما عبرت عبر نماذجها الحضارية الناجحة عن أن المواطنة مرتكزا رئيسيا للتقدم والنهضة، وأن غيابها عامل هدم أساسى فى بنية الدولة الوطنية.