د.سمية عسلة
فى حين أكدت إدارة مكافحة الإرهاب فى بغداد أن للتنظيم خلايا بمنطقة باب المعظّم فى محافظة بغداد، وعامرية الفلوجة فى محافظة الأنبار، ومنطقة دور الفيلق فى محافظة كركوك، وقد تبنت خلايا التنظيم فى شهر أغسطس من العام الماضى حوالى 100 هجوم ارهابى استهدف جميع أنحاء العراق، وفق تقرير صادر عن اتحاد أبحاث وتحليل الإرهاب (TRAC) الذى صدر فى شهر سبتمبر من العام 2020.
وفى سوريا، معلومات صحفية نُشرت فى 22 أبريل 2020، أشارت إلى انتشار تنظيم "داعش" فى مناطق واسعة من البادية السورية مثل مناطق غرب الفرات، فى البوادى الممتدة بين مثلث محافظات الوسط والشرق السورى، كذلك حمص والرقة ومنطقة دير الزور، وبؤر للتنظيم فى بادية محافظة السويداء الشرقية.
كما يقدّر عدد مقاتلى التنظيم فى تلك البوادى حوالى 1.800 مقاتل يُعرفون بقطّاع البادية، تضاف إليهم مجموعات التنظيم الإرهابى التى انسحبت من الحدود السورية اللبنانية ومن دمشق بعد اتفاقات الإخلاء بين مكونات التنظيم بأواخر عام 2017، حيث يشن هجمات ضد القوات السورية، التى خسرت خلال شهرى مارس وأبريل من العام 2020 ما يقارب 150 جندياً بين قتيل وجريح، وفق تقارير صحفية.
وهذا ما يفرض عدة تساؤلات تطرح نفسها بشأن عودة تنظيم داعش، والسؤال الأهم كيف عاد؟ الإجابة ببساطة تقول إنه حين تتوقف عن محاربة عدوك فإنه يعود ويظهر أقوى مما كان فى أوقات اشتباكك معه، فالحملات الإعلامية ضد داعش انحسرت بنسبة كبيرة، إضافة إلى برامج التوعية بخطورة التطرّف وانتشاره، ما جعل التنظيم يتغلغل من جديد داخل مناطقه التى كان يسيطر عليها مثل القرى الحدودية والصحراوية.
والسبب الثانى الذى استغله تنظيم داعش يتمثل فى انشغال الحكومات، من بينها حكومة العراق وسوريا، بقضايا سياسية داخلية، كأن ينشغل العراق بالانتخابات والتظاهرات التى رجت الشوارع مؤخرا مطالبة بمنع التدخل الايرانى، وانشغال سوريا بالأزمة الاقتصادية القوية، بالإضافة إلى الفساد الذى يسيطر على الدولتين.
وهناك سبب آخر يتعلق بتغيير التنظيم إستراتيجيته، وعدم سيطرة داعش على مدن وقرى وأحياء أو أى بقعة جغرافية، لا يعنى أن هذه الجغرافيا أضحت نظيفة منه، وقد يكون الإيهام بعدم وجود التنظيم نتيجة انحسار سيطرته على بعض المواقع الجغرافية، هو الخدعة الأكبر التى قام بها، فقد تحوّل من جيش متمركز بأماكن معروفة وسهلة للقصف إلى عصابات منتشرة داخل الصحارى والوديان، وتتخفى فى المدن والأرياف.
أما عن السبب الثالث فيكمن فى وباء كورونا الذى اجتاح دول العالم، ومنها سوريا والعراق، وفترات الإقفال والحظر الكثيرة، ما غيّب عيون رجال الأمن عن ملاحقة خلايا التنظيم الإرهابى.
عودة "داعش" تنذر بعودة الأوضاع إلى سابق عهدها فى العراق وسوريا، وقد ركزنا على العراق وسوريا لأنهما الدولتان اللتان عانتا بشدة من همجية التنظيم واحتلاله مناطق واسعة، ولكن عودة داعش ستكون أشرس مما كان عليه قبل عام 2017، لأنه كما ذكرنا سابقا غير محصور فى جغرافيا محددة، وسيلجأ إلى العمليات الانتحارية، كما حدث مؤخرا بالعراق.
إن محاربة الإرهاب والتطرف لا تكون بالسلاح وحده، وإنما بنشر الوعى الدينى والمجتمعى والوطنى، كذلك تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين، ولكن سارت الرياح بما لا تشتهى السفن، فقد أدت كورونا إلى زيادة معدلات الفقر، بالإضافة الى عدم قيام الحكومات بالجهد التوعوى المطلوب للتصدى للتنظيم الإرهابى ومشاريعه على الأرض، ما يجعلنا نتساءل هل سنشهد عمليات دامية أكثر الأيام القادمة؟ وهل يعود التنظيم إلى إستراتيجيته القديمة فى احتلال الجغرافيا أم يكتفى بإلحاق الأذى بالحكومات والشعوب، ويؤجل قضية إحياء الخلافة؟