البث المباشر الراديو 9090
د.سمية عسلة
قمة العلا، إعلان حسن نوايا تبلور فى شكل مصالح جمعت بين الرباعى العربى وقطر على مائدة سعودية شملت جميع أطراف النزاع، ظاهرها أن قطر قررت التخلى عن سلوكها العدائى تجاه إخوانها بالخليج العربى ومصر، ولكن باطن الأمور انعكس فى تصريحات قطرية تبعتها تحركات فعلية أثبتت أن تميم بن حمد مازال يراوغ لكسب مزيد من الوقت لعله أراد بذلك أن يظفر بالمزيد من النقاط أمام الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس بايدن، وأن يمر مونديال 2022 الذى تستضيفه الدوحة فى أمن وسلام، خصوصا أن مؤشرات الاقتصاد القطرى مرهونة بنجاح هذه الفعالية الرياضية العالمية التى ستجلب للخزائن القطرية ما يعادل خسارتها خلال الأعوام الماضية بفعل المقاطعة الخليجية وانخفاض معدل تصدير الغاز الطبيعى فى ظل جائحة كورونا التى عصفت بالاقتصاد العالمى وعلى رأسهم دول النفط والغاز.

إعلان حسن نوايا قُتل فى مهده

العديد من الخبراء والمحللون حول العالم قالوا إن قمة العلا لا يمكن أن نوصفها فى شكلها الحالى سوى بـ"إعلان حسن نوايا"، خصوصا وأن قطر لم تعلن موافقتها رسميا على المطالب الثلاثة عشر وعلى رأسهم تحجيم دور قناة الجزيرة التخريبى ومنعها من بث سمومها ضمن أجندتها الإعلامية التى تستهدف الشعوب العربية وعلى رأسهم مصر والإمارات والسعودية، مما جعل الخبراء يتنبأون بحدوث مراوغات قطرية فى تلك الملفات العالقة والشائكة.

ولم يلبث الأمر طويلا حتى صدقت تلك التنبؤات وظهرت حقيقة السياسة القطرية التى لم تتراجع لحظة عن سلوكها العدائى ضد الرباعى العربى تمثلت فى عدة تصريحات للخارجية القطرية كان أهمها نفى وزير الخارجية القطرى، محمد بن عبد الرحمن آل ثانى بعد ساعات من اجتماع وزراء خارجية الرباعى العربى فى قمة العلا أن يكون محتوى قناة الجزيرة، قد طرح للنقاش خلال قمة المصالحة الخليجية التى عقدت فى السعودية.

وعقب فى تصريحات لـقناة "الجزيرة" أنه لم يُطرح موضوع قناة الجزيرة خلال مباحثات القمة، مؤكدا أن القناة مؤسسة تفخر بها قطر وبإعلامها وبوجودها فى الدوحة، وقال: "نحن لسنا فى صدد أن يكون هناك شروط من دولة على دولة أخرى، الخطوات هى عودة العلاقات إلى طبيعتها ما قبل الأزمة من قبل الأطراف كافة".

وتأتى تصريحات وزير وزير خارجية قطر عن الجزيرة، فى الوقت الذى شهدت مواقع التواصل الاجتماعى موجة سخرية من القناة بسبب تغيير نبرتها وخطابها المتعلق بدول المقاطعة.

وأشار المشاركون فى هذه الموجة إلى أن خطاب القناة تحول من الانتقادات اللاذعة التى كانت توجه للإمارات والسعودية إلى الحديث عن جمال العمارة فى الرياض وأبوظبى ومشاريع الرئيس السيسى التنموية فى مصر.

وفى تعليقه على المصالحة، اعتبر وزير الخارجية القطرى أنها لا يمكن أن توصف بأنها نجاح لقطر، أو السعودية، أو أى دولة أخرى، بل نجاح للجميع، فى لهجة يسودها الغرور ولا تبرز فيها أى نوع من الندم على الأعمال العدوانية التى قامت بها الدوحة تجاه أشقاءها خلال السنوات الماضية. وسياساتها المعادية لمصر والتى صنعت الخلاف مع القاهرة فى ثلاث ملفات رئيسية وهى دعم تميم بن حمد لأبى أحمد فى موضوع سد النهضة، كذلك دعم فلول الجماعات الإرهابية الموجودة فى شمال سيناء بإرسال المال والسلاح لهم عن طريق حركة حماس فى قطاع غزة، والنقطة الثالثة هى التوقف عن دعم وتمويل التدخل التركى فى ليبيا.

حتى أن زيارة وزير المالية القطرى، على بن شريف العمادى، إلى القاهرة على متن طائرة خاصة،كانت خاطفة استمرت لعدة ساعات، شارك فيها العمادى فى افتتاح أحد المشاريع الاستثمارية القطرية بالقاهرة، وغادر دون الإعلان عن عقد أى لقاءات رسمية مع أى من المسؤولين المصريين، وقد حضر الافتتاح وزير المالية المصرى محمد معيط، ووزير الخزانة الأمريكى ستيفين منوشين، وهى الزيارة الأولى لمسؤول قطرى إلى القاهرة منذ سنوات، مما يجعلنا نرى وبوضوح أن حضور قطر المصالحة يوحى بتوجهها أكثر نحو الغرب، بعدما سعت خلال السنوات الماضية للعب فى ملعبين مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية والدول المعتدلة، وأيضا مع إيران.

تراشق سياسى بين الدوحة والمنامة

بالتزامن مع إفراج السلطات القطرية عن اثنين من البحارة وبطل كمال الأجسام البحرينى سامى الحداد، أكدت تغريدات لوزارة الداخلية البحرينية استدعاء أحد مواطنيها على خلفية مقطع فيديو متداول يتحدث فيه عن محاولة الأمن القطرى تجنيده مقابل مبلغ مادى لقاء معلومات عن تحركات الأجهزة الأمنية البحرينية فى منطقة سترة، وقد أعربت وزارة الخارجية البحرينية عن شكرها لسلطنة عمان على جهودها المبذولة لتنسيق إطلاق سراح البحرينيين المحتجزين فى قطر وتسهيل عودتهم إلى البحرين.

واعتبرت الوزارة فى بيان لها أن قيام الجهات القطرية المختصة بالإفراج عن المواطنين البحرينيين خطوة تعكس الروح المطلوبة لتعزيز مسيرة التعاون بين دول المجلس، مع أمل فى أن يُطلق كذلك سراح البحارة الآسيويين الذين يعملون على سفن الصيد البحرينية، مراعاة لحالتهم الإنسانية.

وكانت قطر أفرجت عن البحرينيين الاثنيْن الذيْن ألقت القبض عليهما قوات أمن السواحل والحدود القطرية فى الثامن من يناير الجاري، أثناء قيامهما برحلة صيد، وهما بطل كمال الأجسام البحرينى سامى إبراهيم الحداد، ومحمد يوسف الدوسرى، شمل الإفراج أيضا البحار البحرينى حبيب عباس الذى أوقف فى الثالث من ديسمبر من العام الماضى بسبب تخطى قوارب بحرينية نطاق مياه قطر وهو ما نفته المنامة.

وبحسب بيان الداخلية البحرينية لم يفرج عن القوارب التى كانت لدى البحرينيين الثلاثة، ووصل عدد القوارب البحرينية التى لا تزال محتجزة لدى قطر إلى خمسين حتى الآن.

وعلق المستشار الإعلامى لملك البحرين على الموضوع فى تغريدة فى حسابه على تويتر، معتبرا أن هذه الواقعة تأتى ضمن "حملة ممنهجة تشنها قطر ضد البحارة البحرينيين، وهى اختراق واضح لاتفاقية الصلح الخليجية التى أبرمت فى قمة العلا الخليجية"، بحسب تعبيره.

الوجه الآخر للمصالحة القطرية مع مصر

أشار وزير خارجية قطر فى تعليقه على سؤال حول المصالحة مع القاهرة، أن المصالحة ستكون على نحو انفرادى، وأنه سيكون هناك لجان واجتماعات ثنائية بين الأطراف، لوضع حلول وآليات الرؤية المستقبلية للعلاقات، وأنه سيتم بحث المسائل العالقة بين البلدين، من خلال آلية مع كل دولة على حدة.

وفسر الوزير ذلك بأن الخلافات بين قطر وكل طرف من الأطراف تختلف من حيث طبيعتها، فيما بدا تأكيد الوزير على احترام قطر لقناة الجزيرة ودورها، وتأكيده على ضرورة أن لا تناصب القناة أى دولة العداء وأن لا تناصبها أى دولة العداء، بذلك يتضح أن المصالحة لا تستند إلى أى قوة إلزامية لتنفيذها وأنها تعود إلى تقديرات دول الرباعى العربى لمصالحها الوطنية والمخاطر التى تهدد أمنها القومى من جراء استمرار الأزمة.

وعلى صعيد آخر نجد أن الدعم القطرى للبرامج التليفزيونية التى يقدمها عناصر بارزة من جماعة الإخوان ضد مصر لم تتوقف ساعة، بل أصبحت أكثر هجوما ونقدا للسياسة المصرية وللأوضاع بالداخل فى شكل ومضمون يفتقر للموضوعية والحيادية فى نقل الأحداث والتعليق عليها بل وتعمد تشويه كل المشاريع التنموية التى تقوم بها الحكومة المصرية لدعم المواطنين وجعل مصر بيئة جاذبة للاستثمارات الدولية، ما يعزز الأوضاع الاقتصادية فى مصر وصورتها الدولية.

علاقات إيران مع قطر وتركيا ثابتة لم تتغير

وتأتى تصريحات وزير الخارجية القطرى الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثانى مؤكدة أن قطر لن تغير علاقاتها مع إيران وتركيا بعد التوقيع على اتفاق المصالحة لإنهاء الخلافات بينها وبين كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

حيث صرح الوزير، فى مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، بأن الدوحة وافقت على التعاون فى مكافحة الإرهاب و"الأمن العابر للحدود" مع السعودية والدول الثلاثة الأخرى، إلا أنه قال إن "العلاقات الثنائية يحكمها بشكل أساسى القرار السيادى والمصلحة الوطنية".

فيما نشرت مجلة فورين بوليسى مقالا للكاتب سامويل رامانى يرى فيه أن المصالحة الخليجية لم تطرق لحل أسباب الانقسام بين دول الخليج، ما يشير الى احتمالية نشوب خلافات فى المستقبل القريب، كما يتناول الكاتب الفرص والتحديات التى تمثلها المصالحة لإدارة بايدن.

وصرح وزير خارجية إيران جواد ظريف فى تغريدة عبر حسابه على تويتر: "مبروك لقطر نجاح مقاومتها الشجاعة للضغط والابتزاز"، وأضاف: "إلى جيراننا العرب الآخرين: إيران ليست عدوا ولا تهديدا" وهى تغريدة وإن كان باطنها مباركة المصالحة إلا أنها تحمل وجهة نظر إيران التى ترى أن قطر خرجت من المقاطعة أقوى مما كانت عليه وأن طهران ترى أن مقاطعة الرباعى العربى لم تحقق أهدافها فى الضغط على الدوحة وإجبارها على قطع علاقاتها و دعمها السياسى والمالى للجانب الإيرانى المحرك الأكبر للإرهاب فى اليمن عبر ميليشيات الحوثى التى تطلق صواريخها تجاه العاصمة الرياض وتستهدف ناقلات المنشآت النفطية السعودية دون احترام للقوانين الدولية والأعراف.

وصرح وزير الخارجية القطرى، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثانى، بأن "الخلافات بين تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجى، قد تكون لأسباب ثنائية ولا تعنى دولة قطر بشكل مباشر"، مؤكدا أن "‎تركيا حليف استراتيجى لقطر"، ما يؤكد على أن العلاقات القطرية مع تركيا قائمة لم تتأثر بالمصالحة الخليجية، رغم علم الجانب القطرى بكل ما تقوم به أنقرة من انتهاكات سياسية وعسكرية بالمنطقة وصلت حد التعدى على ليبيا وزحف ميليشيات السراج المدعومة من أردوغان للسيطرة على الهلال النفطى ونهب الثروات ومحاولة إنشاء دولة للعائدين من داعش على الحدود الليبية المصرية، بما يهدد الأمن القومى المصرى ويهدد إمدادات الغاز والملاحة فى شرق المتوسط.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز