د.رانيا أبو الخير
إذ يظهر بين الحين والآخر قضية جديدة تسلط الضوء على التجاوزات التى ترتكب فى مجال حقوق الإنسان بصفة عامة، وفى مجال الطفولة على وجه الخصوص، فلم تكن قضية هذه الطفلة هى الأولى من نوعها، بل جاءت هذه القضية لتضيف نقطة سوداء جديدة فى السجل الحقوقى الأمريكى بعد أقل من سنة على ما شهدته الولايات المتحدة من موجة احتجاجات غاضبة على خلفية مقتل المواطن الأمريكى من الأصول الإفريقية جورج فلويد، فى مينيابوليس بولاية مينيسوتا فى 25 مايو 2020، حين قضى اختناقا عندما ضغط شرطى أبيض بركبته على عنقه حتى الموت بعدما احتجزه مع زملائه وكبلوا يديه إلى الخلف وثبتوه أرضا.
صحيح أن الدستور الأمريكى والتشريعات تجرم مثل هذه الأعمال وتحيل مرتكبيها إلى التحقيق للوقوف على جميع ملابساتها بما يمثل ردعا مهما لحماية المجتمع الأمريكى، إلا أنه من الصحيح كذلك أن ارتكاب مثل هذه الجرائم فى الولايات المتحدة يؤكد أنه إذا كان من المقبول أن تحدث مثل هذه التجاوزات كأعمال فردية وليست كأعمال ممنهجة شريطة، أن تخضع إلى التحقيق والمحاكمة بما يحقق الغاية المرجوة من القوانين وهى تمثل ردعا خاصا وعاما فى ذات الوقت.
إلا أنه من غير المقبول حينما تقع مثل هذه التجاوزات فى دولة أخرى نرى التدخلات الأمريكية غير المقبولة التى ترفض القبول بأن وقوع مثل هذه الأعمال هى أحداث فردية.
ومن ثم فالمفارقة التى يجب أن نسلط عليها الضوء هو الموقف الأمريكى حينما تقع مثل تلك الأحداث على أراضيها وحينما تقع على أراضى دولة أخرى، إذ يختلف الخطاب الأمريكى كلية فى توصيف مثل هذه الأعمال غير الإنسانية التى لا يمكن أن يرضى عنها صاحب ضمير حى.
مناسبة هذا الكلام أنه ما بعد انتخاب بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، أثير الحديث حول ملف حقوق الإنسان واستخدامه كسلاح ضد العديد من الدول التى لا تتفق فى مواقفها مع السياسة الأمريكية، وهو أمر يكشف عن ازدواجية المعالجة لقضية حقوق الإنسان بل وتوظيفها بما يخدم المصالح الأمريكية.
خلاصة القول: إن صرخة أنا الطفلة التى جاءت ردا على تساؤل الشرطى "أنت تتصرفين كطفلة"، حملت معها العديد من الدلالات المهمة سواء تعلقت بأوضاع حقوق الإنسان فى الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، أو تعلقت بكيفية معاملة الأطفال جنائيا حتى فى حال ارتكابهم لأعمال مخالفة للقوانين من ناحية أخرى، وهو ما يفتح مجالا لمزيد من المناقشات والحوارات حول هذين البعدين.