البث المباشر الراديو 9090
عائشة غنيمى
يُعد مفهوم قوة الدولة أحد المفاهيم الهامة فى عالم السياسة الدولية؛ فالمقصود بمفهوم قوة الدولة هو قدرة الدولة على إحداث أثر فى الآخرين من أجل تحقيق الأهداف الوطنية المرجوة.

وفى هذا الصدد، تعتبر قوة الدولة من العوامل المؤثرة فى العلاقات الدولية؛ إذ ترسم أبعاد الدور الذى تقوم به الدولة فى المجتمع الدولى وتحدد إطار علاقاتها بالقوى الخارجية، أخذاً فى الاعتبار أن  امتلاك عناصر القوة وحده لا يكفى، فلابد من تبنى سياسات فعَّالة لاستخدام تلك القوة.

وتجدر الإشارة إلى أن قوة الدولة تشمل كل من القوة الصلبة والقوة الناعمة، وقد أثبت تاريخ تطور العلاقات الخارجية، أن القوة الناعمة تعتبر الأكثر فاعلية عن القوة الصلبة، من حيث إحداث أثر إيجابى يتميز بالعمق والاستدامة فى تحقيق السلم والأمن الإقليميين والدوليين، ولكن فى ذات الوقت لا يمكن إغفال أهمية تنمية قدرات القوة الصلبة للدولة بشكل متوازن.

تكمن أهمية القوة الناعمة فى كونها أداة فعالة لتسوية النزاعات والقضاء على كافة أشكال التطرف والعنف والإرهاب الدولى، إذ تعد حجر الزاوية فى إعادة التشكيل السليم للوعى والإدراك وأطر التفكير لدى الشعوب، من خلال استخدام آليات القوة الناعمة القائمة على الإقناع والجذب، حيث توظيف الأبعاد العلمية والرياضية والسياحية والثقافية والفنية والإنسانية والاقتصادية.

ووفقاً إلى المؤشر العالمى للقوة الناعمة 2021، تم إدراج مصر فى الفئة الأولى التى تشمل أهم 30 دولة فى مؤشر القوة الناعمة، إذ تقدم ترتيب مصر بنحو أربعة مراكز حيث إحراز 38.3 نقطة لتصبح مصر فى المركز الـ 34 من بين 100 دولة.

والجدير بالذكر، أن قياس مؤشر قوة الدول الناعمة يتم من خلال استطلاع رأى الجمهور العالمى والخبراء فى 105 من الدول حول العالم.

ويقيس المؤشر مدى إدراك المواطنين والخبراء لوجود القوة الناعمة، ومدى معرفتهم بالدول الأخرى،ومدى تأثير كل دولة على دول العالم من خلال 7 معايير؛ التجارة وممارسة الأعمال، والحوكمة، والعلاقات الدولية والثقافة والتراث والإعلام والتعليم والعلوم والقيم الإنسانية.

يذكر أن هناك ثلاث معايير تم إضافتهم لتقييم أداء الدول فى مواجهة انتشار جائحة كوفيد-19، وهى الأداء الاقتصادى والصحة والرفاهية والمساعدات والتعاون الدولى.

وقد شهدت القوة الناعمة المصرية تطوراً مثمراً منذ عام 2014؛ إذ نجحت القيادة السياسية الحكيمة والدبلوماسية الناعمة فى استعادة مكانة مصر إقليمياً ودولياً بفضل جهد دؤوب متواصل فى شتى المجالات حيث إعادة تفعيل دور القوة الناعمة من خلال الإصلاح السياسى والتجديد فى الخطاب الدينى، مع إعطاء مساحة أكبر من حرية الرأى والتعبير والإبداع بجميع أشكاله.

والجدير بالذكر أن القوة الناعمة فى مصر قد شهدت تحديًا كبيرًا خاصة خلال الفترة بين عام 2011 حتى عام 2013 بسبب عدم الاستقرار السياسى وتراجع معدلات النمو الاقتصادى وتوتر العلاقات الخارجية آنذاك.

وقد كانت القوة الناعمة بمثابة قاطرة الريادة والقوة الجاذبة بزوغاً لدور مصر على ساحة السياسية الإقليمية والدولية، حيث استمدت مصر قوتها الناعمة من تاريخها العريق، فضلاً عن تفرد التراث الحضارى، الذى حظى باهتمام كبير الآونة الأخيرة، من خلال التطور العمرانى واكتشافات أثرية ضخمة وإقامة المتاحف، من بينها المتحف المصرى الكبير والتفرد فى صيانة المعمار وجعل الفن المصرى منصة لنشر رسائل سامية تهدف إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة وتعمق مفهوم الهوية الوطنية.

إلى جانب التفوق الرياضى لشباب مصر فى المسابقات الدولية والإقليمية؛ ما جعل مصر أرضا لاستقطاب بطولات دولية عديدة، بالإضافة إلى تعميق وتوطيد العلاقات الثقافية والاجتماعية حيث جذب الثقافات المختلفة وتعميق الهوية المصرية والعربية، من خلال مبادرة" اتكلم عربى" إلى جانب العديد من المبادرات التى تهدف إلى بث روح التعاون والتلاحم والصداقة بين مختلفة الدول، لتصبح الدولة المصرية أكثر الدول استقطاباً وحاضنة لمختلف الثقافات والأديان والأجناس المختلفة والأطياف، لتكون الدولة المصرية أيقونة السلام الدافئ ونواة لخلق عصراً جديداً من السلام والإزدهار على المستويين الإقليمى والدولى.

ومن بين الإنجازات الفريدة، اعتماد الأمم المتحدة، "منتدى شباب العالم" منصة دولية تقديراً لإسهامات المنتدى فى مناقشة القضايا المعاصرة الخاصة بالشباب ودورهم فى تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030.

وفى هذا الصدد، سوف يتم إلقاء الضوء على أهم وأبرز عناصر القوة الناعمة المصرية وتطورها، ومن بين هذه العناصر التى تعتبر مُكملة لبعضها البعض.

العنصر الأول: التاريخ حيث تمتلك مصر تاريخ سياسى وحضارى ثميناً مكنها من أن تصبح أهم القوى الفاعلة على الساحة الدولية فى صنع وحفظ السلام؛ مع الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وميثاق الاتحاد الإفريقى وميثاق منظمة جامعة الدول العربية، وذلك فى الحفاظ على السلام والأمن وتعزيزهما، فضلاً عن ترسيخ الدور الريادى لمصر كقوى دولية فاعلة فى كافة المحافل ليست فقط الإقليمية بل الدولية أيضاً؛ مما ساهم فى توطيد العلاقات الدولية بين مصر والعالم الخارجى.

العنصر الثانى: الثقافة والفنون، حيث تعد مصر من الدول الرائدة فى الانفتاح على الثقافات المختلفة وتبادل الخبرات بهدف تحقيق التنمية الاجتماعية والثقافية المستدامة، مما يساهم فى ازدهار الشعوب ونبذ العنف وتعميق روح التعاون والصداقة من خلال جعل الفن رسالة سلام للعالم ورسالة إيجابية تشكل فكر ووجدان قائمين على إعلاء القيم الإنسانية؛ مما يخلق مناخ للإبداع والإبتكار لنهضة الشعوب.

وتجدر الإشارة أن مصر قد استضافت العديد من المهرجانات العالمية بالإضافة إلى تفرد الفنون المصرية باستقطاب الفنون المختلفة ممزوجة بتنوع الثقافات والحضارات.

العنصر الثالث: اللغة، حيث لعبت اللهجة المصرية بصفة خاصة واللغة العربية بصفة عامة دورًا كبيرًا فى ترسيخ آواصر العلاقات الثقافية والاجتماعية وتحقيق مزيد من تقارب الشعوب فى المنطقة العربية.

العنصر الرابع: الرياضة، حيث لعبت الرياضة المصرية دوراً رائداً فى تقريب الشعوب وتحقيق الريادة الدولية حيث المشاركات فى المسابقات الرياضية العالمية وفوز مصر فى العديد منها. 

هذا فضلاً عن استضافة مصر لكأس الأمم الإفريقية عدة مرات آخرها عام 2019، واستضافة منافسات كأس العالم لكرة اليد السابعة والعشرين للرجال عام 2021.

وقد أسند الاتحاد الدولى للرماية لمصر مؤخرا استضافة بطولة كأس العالم للرماية 2022.

العنصر الخامس: المنتديات الدولية والإقليمية، حيث ساهمت منتديات الشباب الدولية والإقليمية والمنتديات الاقتصادية والمعارض التجارية والاستثمارية فى تقريب الشعوب إقليمياً ودولياً وتوجيه رسالة سلام وبناء للعالم.

وقد نجحت الدبلوماسية الناعمة المصرية فى خلق منصة حوارية فعالة، من خلال تلك المنتديات تمكيناً لدور مصر الرائد على الساحة الدولية كفاعل دولى مؤثر فى تعزيز أواصر التعاون السياسى والاقتصادى والاجتماعى وتبادل الخبرات والثقافات العنصر السادس التعاون الاقتصادى، حيث يُعد التعاون الاقتصادى نواة كل التكتلات الجديدة التى طرأت على الساحة الدولية مؤخراً.

وقد استطاعت مصر استعادة دورها الريادى إقليمياً ودولياً، من حيث التأثير الفعٍّال فى القرارت السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية.

ويتجلى ذلك واضحاً فى مساهمة مصر فى إنجاح المفاوضات المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، بما فى ذلك التعاون البنّاء والمثمر مع جميع الدول الأفريقية والعربية، بالإضافة إلى توفير الخبرات اللازمة لإستكمال مفاوضات عقد وصياغة الاتفاقية والتغلب على كافة  العقبات التى تعترض مسيرة عملية المفاوضات.

وقد اتسعت آفاق التعاون الاقتصادى الثنائى ومتعدد الأطراف، لتشمل دول جنوب شرق آسيا ودول امريكا اللاتينية ودول شرق المتوسط.

والجدير بالذكر، أن الدبلوماسية الناعمة المصرية لها دوراً فعالاً فى تفوق وتميز القوة الناعمة؛ حيث الحفاظ على السلم والأمن على المستويين الإقليمى والدولى، إذ استطاعت الدبلوماسية الناعمة استعادة دور مصر الريادى إقليمياً ودولياً، وذلك يرجع إلى جهود الدبلوماسية الوقائية واللجوء إلى سُبل الوساطة والتوفيق والمساعى الحميدة كأدوات للقوة الناعمة من أجل الحد من نشوب وانتشار النزاعات ولتسوية النزاعات والصراعات بالوسائل السياسية السلمية.

كما أن رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى يعد أحد نجاحات الدبلوماسية الناعمة التى ساهمت بشكل كبير فى كسب ثقة أفريقيا من خلال جذب وإقناع الشعوب الإفريقية بدور القيادة السياسية فى ترسيخ السلم والأمن تحقيقاً لآمال القارة الإفريقية فى تحقيق التنمية والرخاء.

وفى النهاية، يرجع تفوق وتميز القوة الناعمة المصرية  إلى مصداقية النظام السياسى المصرى الذى جعل السياسة الخارجية المصرية أيقونة قادرة على الإقناع وجذب الفاعلين الدوليين والإقليميين وتحقيق التقارب بين الشعوب من مختلف الثقافات والأعراق والأطياف.

فضلاً عن تضافر الجهود والتسيق فى شتى المجالات العلمية والرياضية والسياحية والثقافية والفنية والإنسانية والاقتصادية؛ مما ساهم فى ترسيخ التواصل على المستوى الشعبى مع المحيط الإقليمى والدولى، وإقامة علاقات دولية وطيدة ودائمة.

وأخيرا وليس آخرا، أن استدامة تعظيم قدرات القوة الناعمة يعد من بين أهم الأولويات بإعتبارها خير وسيلة لتحقيق ازدهار ورخاء الشعوب، من حيث حفظ السلم والأمن إقليمياً ودولياً، فضلاً عن تعزيز التعايش بين النسيج المجتمعى وتوطيد الأمن الجماعى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز