جمال رائف
أبى أحمد رئيس الوزراء الإثيوبى المنتهى ولايته والذى يؤجل الانتخابات منذ الصيف الماضى بحجة الجائحة، هل يمتلك شرعية اتخاذ قرارات تدخل بإثيوبيا إلى جحيم اللا عودة ؟ بعد الخطوات المتهورة نحو إبادة شعب التيجراى والإجراءات العنيفة ضد شعب الأورومو من اعتقالات وقتل للمعارضة، هذا بجانب إشعاله للحرب على الحدود السودانية - الإثيوبية ثم الاتجاه لتعقيد قضية سد النهضة بهدف إشعال منطقة شرق القارة الإفريقية بالكامل ؟!
سؤال الإجابة عنه واضحة وسهلة، نحن بصدد ولادة هتلر إفريقى ينبذ الآخر ولو كانوا من نفس أرضه ويرفض التعايش ويريد أن يشعل النيران فى كل مكان فقط للبقاء فى الحكم، وإن كان الثمن حربا ضروسا يدفع ضريبتها الشعوب الإثيوبية نفسها بجانب شعوب المنطقة، باختصار النخبة الحاكمة منذ تسعينيات القرن الماضى تحت مظلة الجبهة الديمقراطية الثورية تعانى أزمة حقيقية فيما يتعلق بالبقاء فى الحكم بعد رحيل "ملس زيناوى" وهو ما تسبب فى المظاهرات الحاشدة التى أطاحت برئيس الوزراء الذى تبعه "ميريام ديسالين" ولذلك تم الدفع بأبى أحمد كمشروع سياسى جديد، أحد مفرداته أيضا إنشاء حزب وحدوى كبديل للجبهة، وهنا العقدة الحقيقية كون الفيدرالية الإثيوبية معقدة التفاصيل ما يحول بينها وبين التحول إلى دولة مركزية كما يأمل أبى أحمد ورفاقه، لهذا يشتعل الصراع الداخلى الذى يلقى بتبعاته على المحيط الإقليمى.
إشعال الحروب وتأجيج الصراعات الإقليمية، هو سبيل أبى أحمد الوحيد، للبقاء فى الحكم، لأنه يرى أن هذا سيثبت صحة الأكذوبة التى يطرحها على الشعوب الإثيوبية كون إثيوبيا مستهدفة، وأن الشعب المصرى والسودانى أعداء يحاولون حرمان المواطن الإثيوبى من حقه فى التنمية، تلك الأكاذيب التى يبحث لها عن مبرر فعلى عبر محاولات استفزاز الأطراف الأخرى، إعلاميا وعسكريا وأيضا دبلوماسيا، وعدم انجذاب مصر والسودان إلى هذه المهاترات جعل منه أكثر اندفاعا نحو تأجيج الصراع خصوصا فى ظل تأزم الوضع الداخلى لديه، وعدم قدرته على الاستمرار فى الاستناد على نفس الحجج التى تهاوت أمام الحكمة والصبر المصرى فى التفاوض، فسياسة النفس الطويل التى انتهجتها الدبلوماسية المصرية والسودانية انهكت أبى أحمد مما دفعه للتحرك وإشعال صراع حدودى مع السودان، ثم الحديث عن المرور نحو الملء الثانى لخزان سد النهضة فى موعده حتى وإن لم تصل الأطراف الثلاثة لاتفاق، كمحاولة أخيرة للحفاظ على وضعيته السياسية الداخلية الهشة.
النظرة لتحركات رئيس الوزراء الإثيوبى أبى أحمد، يجب أن تشمل جميع تحركاته الداخلية والخارجية، فالرجل يلوح بالقوة على جميع الجبهات بل يستخدمها بالفعل تجاه شعبه فى أقاليم تيجراى وأوروميا، وأيضا يوجه البنادق لوجه جيرانه السودانين، فهل تعصمه جائزة نوبل من المحاسبة ؟! ولماذا هذا الصمت الإقليمى والدولى على رجل يقمع الداخل ويجذب جيرانه إلى صراع يدفع ثمنه الإقليم ؟! ولماذا لم يتخذ الاتحاد الإفريقى حتى الآن خطوات جادة تجاه تعطل المسار الديمقراطى فى إثيوبيا، والذى يعرقله أبى أحمد برفضه إجراء الانتخابات، الأمر الذى يستوجب تجميد العضوية فى الاتحاد؟!
تلك الأسئلة وغيرها، تأخر المجتمع الدولى والإقليمى فى الإجابة عنها ما يدفع الرجل لمزيد من التهور والاندفاع غير المحسوب والذى سيفضى بالقرن الإفريقى وشرق القارة إلى حالة صراع قصوى سيدفع ثمنها العالم أجمع خاصة فى ظل تشابك الاثنيات الإثيوبية وتفرعها فى دول جوارها مما يهدد بحرب إثنية بالتحديد بمنطقة القرن الإفريقى تظهر بوادرها فيما يطرح من تدخل إريترى فى إقليم تيجراى.
أزمة سد النهضة جزء من مشهد إثيوبى عبثى يدفع بالمنطقة إلى توترات غير محمودة العواقب، مشهد يجب أن يتوقف بإعلاء المصلحة الإنسانية فوق الاعتبارات كافة، ولهذا تحرص مصر والسودان على إشراك الفاعلين الدوليين كوسطاء أملا فى إيجاد حل للمعضلة الإثيوبية التى تسعى لتفجير المنطقة بالأزمات.