جمال رائف
إيران.. تركيا.. أوكرانيا.. الهجمات السيبرانية.. التدخل فى الانتخابات الأمريكية.. الناشط الروسى نافالنى.. حقوق الإنسان، وغيرها من الأوراق هى مجرد أدوات لعب ضمن صراع النفوذ ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا قبل القمة المرتقبة بين بوتين وبايدن، فكل منهما يشهر أوراقه ليعلى من سقف مطالبه قبل القمة، الأمر نفسه حدث قبل قمة هيلسنكى التى جمعت ما بين الرئيس الأمريكى السابق ترامب ونظيرها بوتين عام 2018، الاجتماع الذى نتج عنه تفاهم حول مناطق النفوذ فى الشرق الأوسط خاصة فى سوريا.
أمريكا هذه المرة تضاعف الضغط على روسيا، وهذا لأن مناطق الصراع على النفوذ لم تعد تنحصر فى الشرق الأوسط، ولكن أيضا مسرح الشرق الأقصى اشتد به هذا الصراع، لهذا كانت أولى الجولات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية فور دخول بايدن البيت الأبيض موجهة إلى اليابان والهند وكوريا الجنوبية.
تلك الجولة التى تبعها أيضا حراك خارجى روسى موجه تجاه دول تلك المنطقة، خاصة الصين التى يدفع التواجد الأمريكى فى هذه المنطقة، من مضاعفة فرص تحالفهم بشكل استراتيجى، والذى بدأ يتبلور إبان ضغط ترامب سابقا على الصين وروسيا، ليشهد العالم أكبر تدريب عسكرى مشترك بين الدولتين عام 2018 كاستعراض قوة فى مواجهة الناتو الغربى.
منطقة البحر الأسود باتت هى الأخرى ساحة استعراض قوة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بعد إرسال الأولى سفن حربية إلى هناك لترد الثانية وتتواجد عسكريا على الحدود الأوكرانية بكثافة، فى حين أن الصدام العسكرى بين الطرفين فرصة ضعيفة، بعد أن تبدلت الحروب التقليدية بالحروب بالوكالة، وهذا ما يبرر إبراز كل طرف الأوراق التى يملكها للضغط على الآخر، ولكن لماذا كل هذا؟
الولايات المتحدة الأمريكية تحاول المحافظة على أحادية قطبية العالم، والتى اكتسبتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتى.
تلك الأحادية التى تهددت مؤخرا بصعود وتنامى دول شرقية كبرى مثل الصين وروسيا، ورغم محاولات أمريكا لتقليم أظافر تلك الأطراف عبر إدارتها المتعاقبة، سواء عبر الحروب الاقتصادية أو التلويح بملف حقوق الإنسان، إلا أن هذه الأدوات لم تنجح، بل تأثر النفوذ الأمريكى بمنطقة الشرق الأقصى، ولهذا تندفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو تعزيز وجودها بتلك المنطقة، سواء عبر تعزيز علاقتها مع الدول المنافسة للصين وروسيا، مثل اليابان والهند أو عبر الضغط المباشر على بكين وموسكو.
هناك أسباب أخرى لتنامى هذا الصراع، مع تعدد وتنوع نقاط التنافس، سواء فى الشرق الأوسط أو إفريقيا والقرن الإفريقى بالتحديد، ولكن يتبقى الحلم الأمريكى المتعلق بقيادة العالم، هو المحرك الأساسى وجوهر التحركات الراهنة على الساحة الدولية الآن، فمشروعات الولايات المتحدة الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد، أو القرن الإفريقى الكبير، أو حتى تلك المشروعات المتعلقة بالشرق الأقصى كلها نتاج هذا الحلم المتمسك بأحادية القيادة والزعامة المنفردة للولايات المتحدة.
حلم توافق عليه الكتلة الأوروبية ويدعمه الناتو، فى حين يتجاهل طموحات القوة الشرقية المتمثلة فى الصين وروسيا، والتى تمتلك نفس الحلم، ليتخدنق العالم مجددا شرقاً وغرباً، لتستمر حربا باردة بلا صدام مباشر، ولكنها ذات خسائر مباشرة على كافة الأطراف.
أما الدول التى ستنجو من هذا الصراع، تلك التى ستستطيع حشد آلياتها الدبلوماسية لتحقيق توازن سياسى هو الأصعب بين مختلف أقطاب العالم، بعيدا عن دخول أى من الخنادق الشرقية أو الغربية فى صراع قديم متجدد.