جمال رائف
البرجماتية تعلوا فوق الإنسانية فى عالم السياسة الدولية، ولكن مصر رفضت التخلى عن إنسانيتها وحافظت على سياستها الشريفة وقتما تخلت فيه أنظمة سياسية عن شرفها مقابل الأحلام التوسعية، هذا لا يعنى أيضا أن مصر لا تسعى لتحقيق مصالحها بل إنها تسخر دبلوماسيتها لإيجاد الحلول عبر معارك سياسية لم تكن تخوضها دون وجود سلاح الردع المصرى القادر على صون مقدرات الوطن وحماية أراضيه.
هذا باختصار طريقة تعامل الدولة المصرية مع المتغيرات الإقليمية والدولية التى تموج وتعصف بدول المنطقة والتى تخلق تهديدات للأمن القومى المصرى على مختلف الأبعاد الاستراتيجية للدولة، تلك الأمواج السياسية العاتية الناتجة عن صراع نفوذ القوى الكبرى فى العالم أو محاولات الإيدوليجيات المتطرفة التسلق على هذا الصراع للوصول إلى مغانم توسعية وأحلام إمبريالية مصيرها إلى فناء.
قدر القاهرة أنها تمتلك موقع جيوسياسى مرتبط بعدة دوائر مختلفة، منها الإفريقية والعربية والشرق أوسطية والمتوسطية وغيرها من الدوائر التى جعلت مصر فى قلب الصراع العالمى القائم حاليا والذى تشتد أوزاره فى تلك الأثناء، الأمر الذى يتطلب قيادة حكيمة وهادئة لسفينة الوطن بعيدا عن الاصطدام المباشر بعواصف الصراعات القائمة وهو بالفعل ما تقوم به المؤسسات المصرية التى تعبر بالوطن بسلام نحو شاطئ السلام والاستقرار، دون الانجراف وراء مهاترات الطامعين والأعداء.
سؤال هل مصر ستحارب أو تشن ضربة هنا أو هناك؟ يسأله فقط شخصا قد غيب عن طبيعة الحرب القائمة الآن والتى تختلف أدواتها وتتنوع وسائلها عن الحروب التقليدية التى انتهى عصرها، فالمنطقة كلها فى حرب منذ غزو العراق، اشتدت مع قدوم رياح الخريف العربى ومازالت تلك الحرب قائمة تصارع فيها الشعوب من أجل البقاء والوجود والذى لا يتحقق فقط بالمعارك المسلحة بل أيضا بالمعارك التنموية والاقتصادية والدبلوماسية وتلك المعارك الخاصة ببناء الإنسان والحفاظ على حقوقه المنطقية المتعلقة بالحق فى الحياة والأمن والعيش الكريم بعيدا عن الشعارات التى تستخدم للعب بعقول الشباب الذى بات يسكن المخيمات والشتات، بعد أن استجاب لها، فهى حرب قاسية.
والقاهرة قاهرة الطامعين والأعداء، ومصر تدير معاركها وقتما وأينما أرادت فهى فاعل إقليمى ودولى يفعل ولا يٌفعل به، هذه هى خلاصة القول فلا أحد يملك مفاتيح الحلول وتحقيق الانتصارات فى حرب البقاء والوجود سوى مؤسسات صنع القرار المصرى والتى تعمل فقط ابتغاء مصلحة الوطن فهنيئا لمن وثق فى دولته ورشد وطنيته وامتنع عن ضجيج وسائل التواصل الاجتماعى منتظرا النصر المبين.