البث المباشر الراديو 9090
نسرين عبدالعزيز
يرى الكثير من النقاد أن للتلفزيون قوة غير عادية إذ أنه يجعلنا نصدق بالخيال والأوهام فى الكثير من الأحيان، كما أن ما يعرضه من عالم غير حقيقى يؤدى إلى توقف التفكير فى الواقع الحقيقى، والاعتقاد بأن ما يشاهد فى التليفزيون هو حقيقى ويسهل الاقتناع به.

فالأطفال حتى 5 سنوات لا يستطيعون أن يفرقوا بين الخبرات الداخلية أو الذاتية مثل الأحلام "والذين يعقدونها مرئية لجميع الأفراد"، والخبرات الخارجية مثل التليفزيون، إذ من المحتمل أن يعتبر الطفل التليفزيون حقيقة بسبب عدم قدرته على إمكانية قيام الأشخاص بتمثيل الدراما.

وبالمثل فإن شخصيات العرائس والكارتون من المحتمل أن تُدرك على أنها حقيقية ولها وجود مستقل عن شاشة التليفزيون، إذ أنه فى أحوال كثيرة يدرك الطفل شخصيات التليفزيون على أنهم أصدقاؤه يأتون إليه ويتحدثون معه ليلا.

إلى جانب ذلك، فقد توصلت عديد من الدراسات إلى وجود اختلافات تطورية فى إدراك الطفل لواقعية وحقيقة التليفزيون، فالطفل الذى يبلغ من العمر 3 سنوات أظهر إدراكًا ضعيفًا للحدود التى تفصل ما يقدمه التليفزيون والواقع الحقيقى، وفى سن 4 سنوات يبدأ الطفل فى تقدير طبيعة التليفزيون التمثيلية، ولكنه يظل يميل إلى افتراض بأن أى شخص يبدو حقيقيًا هو حقيقى، إذ أن الطفل صغير السن يفترض أن التليفزيون يمده برؤية العالم الحقيقى من حوله.

ولكن الدراسات أثبتت أنه كلما تقدم الطفل فى العمر، اتسع إدراكه، واستطاع أن يفصل بين ما يقدم فى التليفزيون وبين ما يوجد فى الواقع الحقيقى، ولكن المشكلة تتضح أكثر بالنسبة للمسلسلات وأفلام الرسوم المتحركة التى تعرض للطفل، إذ يندمج الطفل مع أبطال هذه المسلسلات والأفلام، ويتمنى فى قرارة نفسه أن يكون مثلهم، وهذا التمنى يخلق لديه أحلام يقظة بأنه سوبرمان أو باتمان أو دراغون بول أو نينجا ترتز، أو أبطال الديجيتال، أو الدعسوقة والقط الأسود، أو باور رينجرز، وغيرهم من الأبطال، فهو يدرك تمام الإدراك أنها ليست شخصيات حقيقية، ولكنه يرغب فى أن يكون مثلهم، فيقلدهم فى إطار الواقع الذى يعيش فيه، مما يفصله بشكل ضمنى عن هذا الواقع، ويجعله يمثل سلوكيات هؤلاء الأبطال فى مسرح الأحداث الخاص به، فبدلا من أن يطير فى السماء فيطير فى الغرفة، ويرتدى ملابس فضائية ليعطى لنفسه إيحاء بأنه خارق للطبيعة، وبهذا قد يكون لنفسه فرقة تمثيل تسيطر عليه فى معظم نشاطاته وأوقات فراغه، مما يجعله يبذل مجهودًا فى هذا التمثيل كان من الأفضل أن يبذله فى أنشطة أخرى أكثر إبداعًا وفائدة له، فقد استبدل الطفل هنا الأنشطة المفيدة بأنشطة عديمة الفائدة لا جدوى منها، كما يندمج الطفل بشكل كبير مع شخصيات الرسوم المتحركة إلى درجة قيامه بتسمية نفسه بأسماء هذه الشخصيات ، وكأنه وسام شرف له، فيرتدى الملابس التى عليها صورهم ويشترى أى شىء متعلق بهم.

أما بخصوص الأطفال صغار السن، فإنهم بالفعل يعتقدون الواقع الافتراضى الذى يعرض على الشاشة بأنه واقع حقيقى، وبالتالى تكمن الخطورة فى تقليد الطفل للشخصيات الكارتونية فى إطار الواقع الافتراضى الخاص بهذه الشخصيات وليس الواقع الحقيقى، أى أنهم سيحاولون الطيران بالفعل من النافذة وسيحاولون الشجار والقيام بأعمال خارقة مثل الأبطال الخارقين، وهذا سيؤدى إلى انتشار جرائم كثيرة تكون ضحاياها الأطفال أنفسهم.

لذا يجب أن يعتنى الآباء والأمهات بأولادهم تمام الاعتناء والأخذ فى الاعتبار ما تم ذكرة فى السطور السابقة، والقيام بتفسير وتوضيح أن أحداث هذه المسلسلات والأفلام الكارتونية غير حقيقية وأنها مستوحاة من الخيال، ولا يمكن تقليدها فى الواقع.

فلكل أم ولكل أب اجعلوا أنفسكم المرآة التى ينظر من خلالها أطفالكم إلى الواقع من حوله، وليس التليفزيون.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز