د.رانيا أبو الخير
تمثلت هذه القاعدة فى أن بناء العلاقات بين الدول يأتى دائما على أساس الحل الوسط، وهو ما يعنى ألا يرغم أحد الطرف الآخر على الاتيان بفعل من شأنه أن يقضى عليه بشكل نهائى، وإنما يجب أن يكون ذلك فى حدود التوصل إلى مساحات من التفاهم المتبادل الذى يحقق كل مصالح الأطراف طبقا لقاعدة أخرى تتكامل مع هذه القاعدة وهى قاعدة المكسب للجميع Win Win Situation.
والحقيقة أنه رغم اتفاقنا مع القاعدة الروسية بشأن الحلول الوسط فى إدارة العلاقات بين الدول إلا أن الموقف الروسى فى مجلس الأمن عند نظر مشروع القرار الذى تقدمت به الشقيقة تونس بشأن سياسات إثيوبيا فى تعنتها مع مصر والسودان فيما يتعلق بمشروعها المسمى سد النهضة، كشف عن غياب لهذه القاعدة عند التطبيق، إذ كيف يمكن أن تطالب روسيا الطرفين (المصرى والسودانى) بأن ينتظروا الموقف الإثيوبى المتعنت فى استخدام حقه فى التنمية على حساب حياة الشعبين المصرى والسودانى.
صحيح أن الموقف الروسى أكد ضرورة الاستمرار فى المفاوضات للتوصل إلى تسوية أو اتفاق يراعى مصالح الأطراف الثلاثة إلا أنه من الصحيح أيضا أن هذا المطلب من إثيوبيا يعنى إضاعة للوقت واستهلاكا له لاستكمال الملء الثانى للسد ولتصبح مصر والسودان أمام أمر واقع لا فكاك منه، وهو ما يعنى تحيزا واضحا للجانب الإثيوبى رغم مخالفتها للقواعد القانونية والاتفاقيات الموقعة بين الأطراف الثلاثة التى تنص على أهمية الأخطار المسبق والتعاون المشترك فى إدارة موارد النهر.
وأن إجبار إثيوبيا على القبول للجلوس إلى مائدة المفاوضات والالتزام بما ستسفر عنه، كان يفرض على روسيا أن تحدد عقوبات أو ترسم مسارات تضمن بها تنفيذ ما سيتم التوصل إليه عبر المفاوضات حتى لا تتحول عملية التفاوض إلى عملية روتينية هدفها التفاوض من أجل التفاوض وليس التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات تحقق حلول وسط بين مصالح الأطراف الثلاثة وتضمن الأمن والاستقرار فى منطقة ملتهبة بأزماتها ومشكلاتها.
خلاصة القول إن قاعدة الحلول الوسط التى طرحها الرئيس الروسى بوتين تتنظر أن تتحول من مجرد خطابا نظريا جاذبا إلى واقع عملى تمارسه روسيا فى سياستها تجاه أزمات المنطقة وقضاياها، بما يكسبها مزيدا من التقارب والتعاون بين كل الأطراف، خصوصا أن موسكو لديها قبولا من الأطراف الثلاثة يُمكّنها من أن تصبح الوسيط النزية فى التوصل إلى اتفاق ملزم للجميع ينهى الأزمة ويحافظ على مساحات التعاون بين دول المنطقة.