البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
كلما أتذكر مقولة مارك توين "قد يعيد التاريخ نفسه مرات عدة، لكن سعره يتضاعف مع كل مرة" يتصاعد أمامى مشهد هجمات 11 سبتمبر 2001، تلك الهجمات الإرهابية التى استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية، وتمت وصفا وتفصيلا من خلال كل شهود العيان والكاميرات والملفات الاستخباراتية الأمريكية والعالمية عن طريق 4 طائرات نقل مدنى تجارية تقودها أربع فرق تابعة لتنظيم القاعدة، تم توجِيهها لتصطدم بأهداف محددة.

نجحت 3 منها فى ذلك وسقطت الرابعة بعد أن استطاع ركابها السيطرة عليها وتغيير اتجاهها ما أدى إلى سقوطها وانفجارها، وقد تمثلت أهداف الطائرات الثلاث فى برجى مركز التجارة العالمى بولاية مانهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية - البنتاجون.

واليوم وبعد 20 عاما على هذه الذكرى يتضاعف سعر التاريخ وهو يعيد نفسه، وتدفع أمريكا نفسها ثمن سنوات سابقة من هجمات 11 سبتمبر، ساعدت فيها تنظيم القاعدة على الانتشار فى المنطقة ليكون ذراعها فى حربها الباردة ضد السوفيت وفى فرض نفوذها على العالم، وهو نفسه التنظيم الذى وجهت له كل أصابع الاتهام وقت أحداث 11 سبتمبر، بل خرج علينا أسامة بن لادن زعيم التنظيم، وأعلن مسؤولية التنظيم عن العمليات الإرهابية التى ضربت أمريكا، والتى تعتبر الأكبر فى تاريخ العالم من هجمات إرهابية.

واليوم نفس التنظيم الذى ولد بمباركة أمريكية منذ سنوات سابقة عن 2001، يخرج لسانه للعالم أجمع وفى مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التى رغم تغيير وجوه قادتها لكن سياستها التمييزية والعنصرية لمقومات الشر فى المنطقة كما هى، فاليوم تفرض حركة طالبان الذراع الرئيسى لتنظيم القاعدة سيطرتها كاملة على العاصمة الأفغانية كابل بعد 20 عاما من إطاحة القوات الأمريكية بحكم الحركة المتشدد.

الغريب فى الأمر، أن الولايات المتحدة الأمريكية بكامل عظمتها فى المشهد وحلفاؤها فى الناتو قد وافقت على سحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان مقابل التزام الحركة بعدم السماح للقاعدة أو أى جماعة متطرفة أخرى بالعمل فى المناطق التى يسيطرون عليها، بل حدد الرئيس الأمريكى جو بايدن موعدا نهائيا - اليوم 11 سبتمبر 2021 الذكرى السنوية العشرين للهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية - للانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، لنعيد تكرار مقولة مارك توين "قد يعيد التاريخ نفسه مرات، لكن سعره يتضاعف فى كل مرة".

الأمر ليس هذا فقط بل أن التحرك الذى قامت به حركة طالبان الإسلامية المسلحة أثبتت به أنها قوة قتالية هائلة فى أفغانستان وتهديد خطير للمنطقة برمتها، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة عندما نتذكر أنه بالأمس وتحديدا من عشرين عاما أطاح غزو التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة، بحكم طالبان فى أفغانستان عن السلطة، واليوم تعود طالبان وبشروطها إلى السلطة بعد 20 عاما من الحرب، وباتفاق مع أمريكا بل وانسحاب كامل القوات الأجنبية من على أرض أفغانسان التى تسيطر عليها طالبان بالكامل.

وهنا تظهر الخسة الأمريكية مرة أخرى فى البحث عن أمنها مهما كلفتها الفاتورة، حيث تعهدت طالبان بأنها لن تسمح بأن تصبح أفغانستان قاعدة للإرهابيين الذين قد يهددوا الغرب، الأمر الذى يؤكد على فكرة مصالح موازين القوى فى المنطقة خاصة من يقف فى موقف المشاهد، ومن يقوم بإخراج ما يدور من أحداث فى العالم، أو من يسير فى مساره وطريقه ولا يلتفت بما يدور من حوله، فلا يعنيه صراع موازين القوى، أو أى تغيرات جيوسياسية فى المنطقة.

وهنا يبقى أمام المتابع للمشهد العالمى وعلماء السياسة، تحليل آخر وهو منذ عشرين عاما كان هناك ارتباط روحى بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان، واليوم يكون السؤال بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة فى أفغانستان، كيف ستكون علاقتها بتنظيم القاعدة ؟ وعند تفكيرنا فى الإجابة على السؤال علينا ألا ننسى أن القاعدة ملزمة بالولاء لطالبان بعد أن بايعتها، وهى البيعة التى قدمها زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن لزعيم طالبان الراحل الملا عمر فى تسعينيات القرن الماضى.

وما يدعونى هنا لتذكر هذه النقطة هو ما تم الاتفاق عليه بين الولايات المتحدة الأمريكية فى 2020 وحركة طالبان، والذى بموجبه وافقت الحركة على عدم السماح لتنظيم القاعدة أو الجماعات المتطرفة الأخرى بالعمل فى المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة، وتعهدت بذلك مجددا بعد سيطرتها على كابل الشهر الماضى، والمتابع بدقة للمشهد يلحظ أن حركة طالبان لم تصدر أى بيان على مدى تاريخها السابق تؤكد فيه انفصالها عن تنظيم القاعدة، ذلك التنظيم أيضا الذى لم يعلن تفاصيل أو تبرأه من الحركة، وهو ما يدعونا لقراءة مشهد مختلف يمكن أن نسميه "تحالف الأفاعى"، وهنا بات علينا أن نغير أى مصطلح يحوى كلمة "شيطان" لأننا أمام أفاعى حقيقية فى التفكير والتنظيم والتخريب فى النظام الدولى، وباتت صراعات المصالح هى التى تسمن تغول هذه الافاعى فى المشهد العالمى.

وما يدلل على ذلك تغول التنظيمات الإرهابية منذ تأسيس تنظيم القاعدة عام 1989 حيث خرج من رحم هذا التنظيم حركات سلفية وجهادية أخرى منها تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، وتنظيم القاعدة فى جزيرة العرب، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وقاعدة الجهاد فى بلاد الرافدين، وجبهة النصرة، وولاية سيناء فى مصر، وأنصار بيت المقدس، وحركة شباب المجاهدين فى الصومال، وبوكو حرام فى نيجيريا، وأنصار الشريعة فى ليبيا، وغيرها.

إلى هنا والأمور للمتابع العادى قد تبدو منطقية، لكن دعونا نعود بالذاكرة قليلا إلى تصريحات الرئيس الأمريكى جو بايدن منذ شهور عندما قال إن الوقت قد حان لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة بسحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر 2001 التى أدت إلى تدخل الولايات المتحدة، وأنه حان الوقت لوضع حد لهذه الحرب التى لا تنتهى، خاصة وأن الرئيس الأمريكى الرابع الذى يدير الوجود العسكرى الأمريكى فى أفغانستان واعدا بأن لا ينقل هذه المسؤولية إلى رئيس خامس وأنه لا جدوى من انتظار توافر الظروف المثالية للانسحاب.

وذكر بايدن وقتها أن الجيش الأمريكى تدخل قبل 20 عاما لضمان عدم مهاجمة الولايات المتحدة، ومن هنا ننطلق فى التفكير مرة أخرى، ما الذى ستحمله السنوات أو الشهور القادمة فى المجتمع الدولى الذى لا يحترم تعهداته ولا تصرفاته فلا أمريكا يأمن لها أحد عهد ولا التنظيم أو حركة طالبان، فهل ما يدور فى الأفق توازنات مصالح خسيسة؟ أم أن المصالح الأمريكية التى باتت مهددة فى جميع أنحاء العالم اضطرتها لتوقيع اتفاق آخر أكثر خسة وغير معلن من طالبان والقاعدة بموجبه ضمان أمن أمريكا ومن داخله قرينتها إسرائيل، مقابل ترويع الآمنين فى العالم كله خاصة فى الدول التى تزعزع فيها النفوذ الأمريكى؟ أم أن طالبان أصبحت وبحق الشوكة الحقيقية فى ظهر المارد الأمريكى فى المنطقة؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز