البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
مؤسف ومحزن حقا ما وصل إليه حال الشارع المصرى من تدمير للسلوكيات المجتمعية التى تربينا عليها والقيم التى عهدناها فقبل سنوات كثيرة مضت كانت المبادئ والأخلاق شعارًا حقيقيًا يعمل به الكبير والصغير، وكانت الإرشادات المتعلقة بالقيم العامة موجودة مثالا على أغلفة الكتب المدرسية والكراسات ومعروضة بكل الوسائل المتاحة للعرض، وكانت مكتوبة على أسوار المدارس للقاصى والدانى، ولكن ببساطة تبدلت العبارات على أسوار مؤسساتنا التعليمية ليحل محلها إعلانات المدرسين والشركات وغيرها.

دعونا من هذا ونعود مرة أخرى إلى سلوكيات المجتمع الذى وصل به الحال خلال الساعات القليلة الماضية والتى لا يتعدى عمرها 4 أيام من شهر نوفمير، أن يشهد عددًا من الجرائم البشعة والتى لا تمت بصلة فى شكلها لما تربينا عليه، فهناك الجريمة المأساوية التى هزت الإسماعيلية حينما ذبح شاب آخر وفصل رأسه عن جسده وسار بين المارة فى الشارع حاملا الرأس المفصول فى يده وسط ذهول المواطنين بوضح النهار، وفى المنصورة مزَّق طالب زميله بـ "كتر" داخل حرم الجامعة بسبب الهزار.

وفى عيد الحب ذبح أحد الأشخاص بالإسكندرية والديه داخل محل إقامتهم بمنطقة الحضرة وفر هاربا وهو متجرد من إنسانيته، وتمكنت مديرية أمن أسيوط من ضبط 35 قطعة سلاح متنوعة فى يوم واحد عن طريق الحملات الأمنية المكثفة على البؤر الإجرامية، وأطراف الخصومات الثأرية، وحائزى الأسلحة غير المرخصة، وحادثة أخرى قام فيها شخص بإضرام النيران بشقيقته بالدقهلية لخلافات على الميراث عن طريق سكب كمية من سائل البنزين عليها وإشعال النيران بها وبشقتها، كذلك شهدت منطقة الطالبية بالجيزة جريمة مأساوية إذ أقدم ترزى على إشعال النيران فى شقيقه بسبب تشاجره مع زوجته.

ومنذ ساعات قضت محكمة جنايات المنصورة بإحالة أوراق أب تجرد من كل المشاعر واغتصب ابنته الطفلة ومواقعتها رغما عنها 3 مرات إلى مفتى الجمهورية، ولا يفوتنا بلطجى الفيوم الذى قام باحتجاز عدد من الرهائن من أصدقائه وعائلته وقام بتعذيبهم ولم يستجيب لنداءات الشرطة السلمية قبل اقتحام منزله وتحرير الرهائن والقبض عليه.

كل ما سبق من عينة بسيطة من الجرائم التى وقعت فى أيام قليلة يطرح التساؤل لماذا وصل بنا الحال إلى هذه الدرجة من اللاإنسانية فى التصرفات والأخلاق، ولماذا باتت القيم لدينا عبارة عن جمل تربينا عليها فقط، ولماذ غاب دور القدوة فى حياتنا سواء داخل العائلة أو العمل أو المجتمع.

وهنا دعونا نصل لتشريح حقيقى لما يدور فى المجتمع، وفى وجهة نظرى المتواضعة الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى عدم تمسكنا بالقيم الانسانية والروحية التى نادت بها الأديان السماوية، والابتعاد كل البعد عن الدين، وعدم إدراك مبدأ الثواب والعقاب، هذا بجانب السلوكيات التربوية الخاطئة التى تربى عليها الأجيال الجديدة، وغياب الاتزان النفسى والسلوكى والدينى فى الأجيال السابقة التى منها الأمهات والآباء ومن كانوا يمثلون فى حياتنا القدوة الحقيقية، ولو عدنا إلى الجرائم المذكورة التى تم رصدها على الأقل فى عيد الحب سنجدها ليست بسبب الفقر أو العوز لكنها بسبب مثلا الطمع على الميراث أو خلافات أسرية وزوجية أو تجرد أب من إنسانيته، وبالتالى ليست الحاجة هى المتهم الرئيسى فى الأمر.

تلك الأمور تعود بنا إلى ضرورة تشريح الخلل الحاصل فى المجتمع والبحث عن أسبابه وآليات علاجه، خاصة فى ظل إعلام ينمى بشكل يومى ظاهرة العدائية تجاه المجتمع ويفسخ فى عروضه الدرامية من تشابك الأسرة المصرية، ويطرح فى برامجه أفكار عدائية، وفى مسلسلاته التى يعرضها ينمى لظواهر العنف وسط كل الأجيال وليس شريحة معينة أو غيرها.

وهناك الدراما السينمائية التى غابت عن الهدف الرئيسى فى الوعى والبناء المجتمعى وفقدت بوصلة التوجيه نحو التنبيه إلى السلوكيات الخاطئة فى المجتمع ومحاولة علاجها، لكننا وجدناها تتجه فقط إلى الأفلام التى تسيئ للواقع وتعرض للنماذج الخاطئة وتقدم السيئ على أنه هو القيمة والقامة، وتناست أن تعظم من السلوكيات الإيجابية فى مجتمع بات على حافة الهاوية.

هذا بجانب الغياب الكامل للأسرة فى التربية والتقويم، والضعف الواضح فى التوجيه الصادر عن المؤسسة الدينية إذ أن رسائلها التوعوية باتت غائبة عن الأمر الواقع، وبعيدة عن التحدث بلغة جيل كامل لا يعرف سوى ثقافة الــ "تيك أواى" فباتت المؤسسات الدينية رغم تعاملها مع التقنيات التكنولوجية لكن رسالتها كما هى لم تتغير، الأمر الذى خلق فجوة معرفية وفكرية كبيرة بين الأجيال فيما هو لابد أن يقال وما بين الطريقة التى لابد أن يعرض بها.

ونعود لشكل من الأشكال المتهمة بأنها واحدة من أسباب التفسخ القيمى فى المجتمع وهى أغانى الفيديو كليب التى لا تعرض سوى حركات مثيرة وكلامات مُسفة تصل بنا لنتيجة واحدة هى تصاعد وتيرة الانهيار الأخلاقى والعنف والجريمة.

لذا بات لزاما على كل مؤسسات الدولة وضع تصور عاجل نحو إعادة بوصلة القيم إلى ما كانت عليه وذلك قبل فوات الأوان لأن ما يحدث من خلل مجتمعى سيصيب كل أطراف وأركان مؤسسة الأسرة، الأمر الذى سينعكس بشكل كبير على جهود وخطط الدولة فى الإصلاح والبناء، وتراجع جهود العمليات الإصلاحية فى الوعى القيمى والبناء الأخلاقى ومن هنا فلتكن رسالتنا جميعا "بالحب والأخلاق والقيم نحيا".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز