حسام الدين الأمير
ذلك اليوم الذى أعلنت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة فى عام 1993 أن يكون عام 1995 سنة الأمم المتحدة للتسامح، وأعلنت هذه السنة بناء على مبادرة من المؤتمر العام لليونسكو فى 16 نوفمبر 1995، حيث اعتمدت الدول الأعضاء إعلان المبادئ المتعلقة بالتسامح، وفيها تلتزم الدول الأعضاء والحكومات بالعمل على النهوض بحياة الإنسان وحريته وتشجيع التسامح والاحترام والحوار والتعاون فيما بين مختلف الثقافات والحضارات والشعوب.
كما أن إعلان المبادئ بشأن التسامح الذى اعتمدته اليونسكو فى عام 1995 وضع شعارا يقول: "التسامح يعنى الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثرى لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا"، وبعدها دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء بالاحتفال بذلك اليوم منذ عام 1996 لارساء مبدأ التسامح.
وما يهمنا فى هذه المناسبة التى تمر ذكراها علينا اليوم هو التذكير والتأكيد على قيم التسامح التى حثت عليها الأديان الثلاثة قبل أى شئ، وكيف كانت الرسالات السماوية قائمة على مبادئ العدل والتسامح والسلام وإعلاء قيم المواطنة والأمن بين جميع البشر دون تمييز، وتجلت قيم التسامح الحقة فى معاملة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب حيث كان يكرمهم ويحسن معاملتهم.
وهنا نعود إلى عالمنا اليوم الذى يشهد حالة من الصراع البشرى والمؤسسى والعالمى دون مراعاة لأبسط قواعد حقوق الإنسان والتى يدخل فيها فكرة التسامح والتعايش السلمى، وكذلك تنامى ظواهر المشكلات والصراعات داخل الأسرة الواحدة والتى لا يتم فيها مراعاة أبسط الأمثلة فى قيم الحق والعدل.
ودعونا نصل للحالة المصرية التى تحاول دوما فيها القيادة السياسية أن تغرس فى النفوس عدد من القيم المجتمعية السمحة التى تدعو إلى التعايش واحترام الكرامة وغيرها، ولا أدل على ذلك من فكرة تعزيز لغة الحوار التى تقوم بها الدولة فى الاستماع لوجهات نظر كل الأطراف المعنية داخل المجتمع المصرى وعلى كل المستويات، ومثالا على ذلك مؤتمرات الشباب والتى يدخل فيها جلسة محورية هامة تأتى بعنوان "اسأل الرئيس" وكذلك جلسات الاستماع فى مجلسى الشيوخ والنواب، والتدريبات التى يوصى بها الرئيس مؤسسات الدولة أن تقدمها للمواطن المصرى، وصولا إلى احترام حقوق اللاجئين الموجودين داخل الأراضى المصرية ويتمتعون فيها بكافة الحقوق المتعلقة بالتسامح والتعايش وفرص العمل والعلاج وغيرها من الأمور.
وفى رأيى المتواضع تعتبر المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" واحدة من المبادرات المجتمعية التى تدعو إلى التسامح لأنها تراعى عدد كبير من القيم الحقوقية والأخلاقية داخل مجتمعنا المصرى، وتعمل على إحياء القيم والثقافات واحترام آدمية المواطن على أرضه وتعزيز حقوقه وضمانة حقيقية لأمنه خاصة مع توفير الدولة للاحتياجات الأساسية له المتعلقة بالصحة والتعليم والسكن الكريم.
وفى هذا الصدد وبمناسبة ذكرى اليوم العالمى للتسامح دعونى أن أذكر الجميع بأن هناك وثيقة تسمى "وثيقة الأخوة الإنسانية" والتى تم توقيعها بين فضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وبين قداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، وجاء فى الوثيقة أن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم فى احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التى تحاصر جزءًا كبيرًا من البشر.
وأكد الشيخ الطيب والبابا فرنسيس على أن هذه الوثيقة تعتبر دعوة للمصالحة والتآخى بين جميعِ المؤمنين بالأديان، بل بين المؤمنين وغير المؤمنين، وكل الأشخاص ذوى الإرادة الصالحة، وقالوا فيها لتكن وثيقتنا نداءً لكل ضمير حى ينبذ العنف البغيض والتطرف الأعمى، ولكل محب لمبادئِ التسامح والإخاء التى تدعو لها الأديان وتشجع عليها، لتكن وثيقتنا شهادة لعظمة الإيمان بالله الذى يوحد القلوب المتفرقةَ ويسمو بالإنسان، لتكن رمزًا للعناق بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وبين كل من يؤمن بأنَّ الله خلقنا لنتعارف ونتعاون ونتعايش كإخوة متحابين وهذا ما نأمله ونسعى إلى تحقيقه، بغيةَ الوصول إلى سلام عالمى ينعم به الجميع فى هذه الحياة.
ودعونى أن أذكر أيضاً بتجربة الهيئة القبطية الإنجيلية والخاصة بمنتدى حوار الثقافات الذى حرص منذ بدايته على تعزيز مفاهيم المواطنة والتسامح والتأكيد على قيم العيش المشترك واحترام الآخر وقبول الاختلاف، ذلك البرنامج الذى تبنى منذ تدشينه عام 2019 قضية "مواجهة خطاب الكراهية"، متضمنا التعريف بعدد من المفاهيم منها التعايش السلمى والتفاهم والتعاون بين الأديان واحترام الآخر وحرية المعتقد والفكر.
وتزامنا مع ذكرى الاحتفال باليوم العالمى للتسامح علينا جميعا إطلاق عدد من المبادرات المعززة لمفهوم التسامح والحوار فى مختلف المجالات.