حسام الدين الأمير
إلى هنا والأمور تبدو عادية لكن ما يدعونا للنظر إلى اختلال ميزان الأمور، وسياسة الكيل بمكيالين هى احتفالات العالم بذكرى اليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطينى، والتى مرت علينا منذ ساعات وتواكب يوم 29 نوفمبر من كل عام، لكنها للأسف احتفالات وذكرى منسية، فلم نجد دولة من الدول أو هيئة الأمم المتحدة نفسها تدعو إلى التذكرة بهذا اليوم إلا من خلال البيان الرسمى الذى يصدر بشكل عام لأى احتفالية، وذلك على عكس كم الأخبار والاحتفالات والندوات والتقارير والبرامج التى تتناول قضايا المرأة عالميا فى إطار حملة الــ16 يوم، فلا تخلو محطة فضائية عالمية عربية أو أوروبية أو حتى مصرية إلا وتقارير المرأة وتمكينها ومسيرتها الحاضر الأول فى كل المشاهد والأحداث، وعلى العكس تماما تجاهل الإعلام الدولى ما يشهده الشعب الفلسطينى من قمع واستيطان وانتهاك لكامل حقوقه.
وهنا نعود مرة أخرى إلى ذكرى اليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطينى، وهو اليوم الذى دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1977 للاحتفال به فى 29 نوفمبر من كل عام، وهو ذكرى اليوم الذى اعتمدت فيه الجمعية العامة قرار تقسيم فلسطين 1947، وفى ذكرى هذا اليوم من العام 2005 طلبت الجمعية العامة تنظيم معرض سنوى عن حقوق الفلسطينيين بالتعاون مع بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة، والتى من شأنها تشجيع الدول الأعضاء على مواصلة تقديم أوسع دعم وتغطية إعلامية للاحتفال بيوم التضامن، وفى عام 2015 تم رفع العلم الفلسطينى أمام مقرات ومكاتب الأمم المتحدة حول العالم، واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا برفع أعلام الدول المشاركة بصفة مراقب غير عضو فى الأمم المتحدة، بما فى ذلك علم دولة فلسطين.
واليوم تمر علينا الذكرى دون أى ردود فعل دولية حول الانتهاكات التى يتعرض لها الشعب الفلسطينى، وإذا كنا منذ أيام احتفلنا باليوم العالمى لمناهضة العنف ضد المرأة، والتى تستمر احتفالاته حتى 10 ديسمبر، فإن أكثر المتضررين من العنف هو المرأة والفتاة الفلسطينية، وإذا وصلنا إلى اليوم العالمى لحقوق الإنسان فإن أكثر الانتهاكات بحق الإنسان تقع على الشعب الفلسطينى وأسراه وأطفاله وجنوده؛ وإذا فكرنا أن نرصد الاحتفالات العالمية الأخرى خلال حملة الــ16 يوم، يصادفنا اليوم العالمى لحقوق الأشخاص ذوى الإعاقة، والذى يوافق 3 ديسمبر من كل عام، وأيضا كم من الانتهاكات التى وقعت على الشعب الفلسطينى وجعلت مئات الآلاف منه يدخلون فى دائرة الإعاقة الحركية والبصرية ومختلف أنواع الإعاقات بسبب الانتهاكات.
ومن هذا المنطلق، فإننا أمام ما يسمى بسياسة العين الواحدة التى ينظر بها المجتمع الدولى لما يدور فى الشارع الفلسطينى، فمن الطبيعى أن يكون اليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطينى فرصة حقيقية للفت انتباه المجتمع الدولى إلى الأزمة الدولية التى تسمى القضية الفلسطينية، وأن أوجه حلولها لم تجد لها تنفيذ حتى يومنا هذا، رغم صدور المئات من القرارات الدولية، ونضال الشعب الفلسطينى نحو قضيته ودفاعه عن حقوقه فى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وحق الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، لكن المجتمع الدولى لا ينظر لكل هذا وتجاهل بشكل متعمد هذا اليوم من ناحية ونسى أيضا أن هناك قضية مصيرية، وتناسى أن هناك شعب تتعرض نسائه للعنف يوميا ورجاله وأطفاله وشعبه للإبادة والإعاقة، وتنتهك حقوقه الإنسانية فى أبسط صورها، وهو ما يخالف ما تحتفل به الأمم المتحدة فى أيامها الدولية المتعلقة بالمرأة والمعاقين وحقوق الإنسان.
فيا أيتها الشعوب الصامتة عن ممارسات الكيان الصهيونى بحق الشعب الفلسطينى، ويا أيتها الأمم المتحدة الصامتة عن التنديد بكافة الانتهاكات التى تتعرض لها المجتمعات بشكل عام وليس بحق الشعب الفلسطينى فقط، فقد آن الآون أن تعم البشرية سياسة عادلة نحو تقرير الشعوب لحقوقها ومصيرها وإلا فلا تتشدقون بأيامكم العالمية والدولية التى تخالفون فيها الواقع.
وهنا لابد من توجيه رسالة إلى القيادة الفلسطينية حكومة وشعبا ومقاومة وفصائل ومنظمات وغيرها، فلابد من توحيد الصف وإنهاء الانقسام، وهو النداء الذى طالما نادت به الدولة المصرية فى سعيها المستمر لدعم الأشقاء الفلسطينيين، فضلا عن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى المستمر محليا ودوليا وإقليميا بشأن القضية الفلسطينية.
والمشكلة المأساوية أيضا فى هذه الذكرى أن الجانب الفلسطينى نفسه لم يصدر عنه أى تقرير فى هذا اليوم يتضمن الانتكاسات الموجهة ضد شعبه بشكل عام ومؤسساته وقضيته بشكل خاص، وكان لزاما على المجتمع المدنى العربى والفلسطينى والدولى أن يكون شريكا أساسيا فى التنبيه لما يحدث داخل الأراضى الفلسطينة بالأرقام والتحليلات.