أحمد عنتر
حلمت، أكثر مما حلم أبى نفسه، أن تلقى إلي السماء بحلمى الذى انتظرته، لكن الحلم طال كثيرا، ثم جاد بعدها بزيارات خاطفة، اقترب وابتعد مرات عدة، لكنى ظللت قابضا على همسات أبى الناصحة "اوعاك اليأس يا ولدى"، صنعت لنفسى فى مناماتى أبراجا من ذهب، وفلكا مسحورا يأخذنى إلى عالم أكثر إشراقا وحرية وصدقا، لكن رياح الأمانى لا تأتى دائما بما تشتهى "الفلك"، فقد صدمنى واقع مليء بالمندسين على الطريق الذى آويناه فى دواخلنا، حتى أنا فقد صدمنى الدور الذى تقلدته مخدوعا ببريقه.
عدت بعدها لحديث أبى "إلا اليأس"، ولأننى أحب "جلد ذاتى"، سافرت خلف الحلم، وتسترت ببقايا تعاليم أبى، ذاك الراحل فى ملكوت رحيم.. سكبت دموعا كثيرة فى طريقى لكنى لم أتنازل عن الحلم، الذى اقترب مشدوها بإصرارى، تطلع إلى بريق عينى وداعبنى، أتى ليتحسس قدمى، جلس راغما يؤنبنى لأنى استدعيته فقط بعد كل هذا الوقت، وقال لى فى وجل: "الأحلام تليق بك، لأنك كنت دائما قدر التوجع لأجلها، كنت دائما فائق المشاعر وغنى المطلب".
كنت أنتشى بهذا النموذج الباهر الحالم من المشهد الدراماتيكى الفانتازى أوقات فراغى، أتمنى من داخلى أن أفيق على هذا المقطع الخيالى من رحلتى الشاقة، رغم ما يحوطنى من دروب مليئة بأصحاب هوى وأنصاف مواهب وبقايا بشر.. سعيى المشوب بالوجع، وانتشائى بهذا الألم وبحديثى عن الحلم باق لن ينتهى ولن يفتر أبدا.
حديث الأحلام، كثير الإمتاع رغم آلامه!، كما أنى مدرك تماما أن الأحلام لا تخذل صاحبها، هى فقط تنتظر وقتا أنسب، وظرفا أطيب، ومكانا أكثر إشراقا، لتباغتك بالفرحة، أو ربما هى ترصد منك الصبر والاهتمام، أو تداعب اشتياقك، حتى يصبح تخليك عن آثارها بعد تحققها، مستبعدا مستحيلا.
صديقى دائما كان يفاجئنى بوجه حزين مكتئب، يتحدث عن أحلام هوت، وآمال سقطت، وعمر مضى فى زمن مختل، فطبع علي بدورى صك الكآبة، وأصبحت لا أراه يوما إلا ويعترينى الغم وتلعننى الطرقات والخطوات، وتمسك بى الحاجة، وتتصارع المشاكل أمام عينى، وتسقط هيبتى أمام نفسى، وتتزعزع ثقتى أمام أقرانى وأتباعى، حتى قلت له المرة الأخيرة "فكك بقى، ربنا هيفرجها".
ومن بعد إملاق فى الرد وتمتمة حيية، ارتديت خاتم "الحكمة"، وقلت له واثقا فى تحقق الحلم الذى يراودنى يوميا، صدقنى يا ولدى "غدا ستصحو على حلمك بعين ضاحكة مستبشرة.. ستغلق غرفتك عليه، وستسقط الذين آذوك وخانوك من فوق جدران الذاكرة"!
حديث الأحلام هذا كان دون مستوى ما أكتب عادة، ربما لأنى لست رائق البال أو الفؤاد، أو ربما لأنى سأمت الكتابة، لأنها أصبحت وسيلة للهروب من السعى نحو الحلم، أو لأنى لست مقتنعا أصلا بمصطلح "حلم"، مع أمة وعبيد يقضون جل حياتهم "نياما"!