حسام الدين الأمير
وفى المقابل استعدت الكاميرون هى الأخرى لهذه الحرب التى أعلنتها أمام الكافة مستغلة الجمهور والملعب وتنظيم البطولة والتواطؤ الصعب الذى مارسه حكم اللقاء بكارى جاساما ضد منتخبنا الوطنى، والتى كانت تصرفاته بمثابة الفجاجة الواضحة التى يستلزم التوقف عندها كثيرا.
واللافت للنظر فى فكرة أنها الحرب، أنى استعدت فى ذهنى المشهد المهيب والمؤثر والذى يعد من أقوى المشاهد فى فيلم "الناصر صلاح الدين" عندما ذهب للقاء قادة جيوش الحملة الصليبية الذين خرجوا لانتظاره ليعرضوا عليه التسليم دون شرط أو قيد، وكانوا وقتها بدون ريشارد قلب الأسد قائد الجيوش، واصطف القادة فى غرور وعنجهية وعندما وصل إليهم صلاح الدين الأيوبى على حصانه برفقة مساعديه، بدأ حديثه بتحية الإسلام "السلام عليكم"، وبدؤوا هم بتقديم أنفسهم وتباروا فى عرض إمكانياتهم، وكان رده بعد هذا التعارف بأنه صلاح الدين "عبد الله.. خادم العرب"، بعدها قالوا له إذا كنت تريد أن توفر على نفسك القتال فإليك شروطنا، ووقتها قال لهم "أنا أكره الحرب" ولكن إذا كتب علينا القتال دفاعا عن أرضنا فلا حيلة لنا إلا الحرب، وفى سياق الحوار خرج علينا أرثر الأمين ليقول لصلاح الدين عليك أن تستسلم خوفا على بلادك من الدمار وسوء المصير وحرصا على حياتك أنت، فكان رد صلاح الدين "إذن هى الحرب – نخوضها دفاعا عن الحق والعدل" وهنا خرج ريشارد قلب الأسد مستنكرا على صلاح الدين ما قاله ورد عليه أى حق وأى عدل وقرر أنها "الحرب" ورد صلاح الدين وقتها "بأنكم تحرقون أغصان الزيتون".
إلى هنا وانتهى هذا المشهد العبقرى الذى فى مجمله إسقاط حقيقى على ما فعله "إيتو قلب الأسد" بإعلانه الحرب على المنتخب المصرى متناسيا بأن الكرة أخلاق وشرف.
وبمطابقة المشهدين نجد التشابه بينهم عظيم فى فكرة إعلان الحرب من ناحية، وفكرة الغطرسة والعنجهية التى تحدث بها إيتو وأيده فيها قادة المعركة، الذين حضروا المباراة وهما قيادات الكاف والفيفا، وفكرة التسليم خوفا على بلادك من الدمار وسوء المصير أراها فى التهديد المعنوى بأنه فى حال فوز المنتخب المصرى بنتيجة كبيرة أوعظيمة أو فوزه بشكل عام فإن مصير لاعبيه ومشجعيه داخل الكاميرون سيكون الهلاك، لأن الجمهور الكاميرونى لن يغفر الهزيمة إن مرت المباراة بخسارة فريقه، ووقتها كان سينتقم، إلى غير ذلك من المشاهد التى من الممكن أن تحدث.
لكن ما حدث خلال المبارة كان أشبه أيضا بباقى مقاطع ومشاهد الفيلم المميزة فقد صمد صلاح الدين وجنوده لنهاية المعركة التى راح فيها ابنه وعدد كبير من المقاتلين، وشهدت الأحداث فيها خيانات عظمى، وهو نفس ما حدث فقد صمد المنتخب المصرى لآخر نفس وكان كل لاعبيه أبطال وجنود ولعبوا وهم مصابون داخل هذه الحرب التى أعلنها إيتو قلب الأسد وانتهت بخسارته.
وشهدت المباراة خيانات كبيرة من حكامها الذين مارسوا كل أنواع القهر والعنف المعنوى والنفسى ضد المنتخب ولاعبيه وخانوا أماناتهم التحكيمية فى العدالة، للدرجة التى قام فيها حكم الساحة بطرد المدير الفنى للمنتخب المصرى كارلوس كيروش وإنذار مساعده وائل جمعة، الأمر الذى أدى إلى حرمانهم من التواجد فى المباراة النهائية لبطولة كبيرة مثل هذه البطولة.
ورغم كل هذا خيب المولى -عز وجل- كل أحقادهم مثلما حدث فى سيناريو الفيلم لنصل إلى مرحلة ضربات الجزاء التى صعدنا بها لمشهد النهاية الآمن، وفاز فيها المنتخب المصرى أمام الجميع وبشرف وعدالة السماء التى نزلت على ستاد أولمبى بالعاصمة الكاميرونية ياوندى، وهو الملعب الأكثر إثارة للجدل فى الكاميرون، حتى قبل انطلاق البطولة.
وبالفعل كنا أمام حرب حقيقية لكن كانت من الجانب المصرى فى الأخلاق والمروءة والروح الرياضية ورفعت فيها مصر شعار "الحرب الأخلاقية" وها هى مصر كعادتها تقدم الدرس الحقيقى للجميع فى كل المجالات والألعاب.
وكأن مشهد ختام فيلم صلاح الدين الأيوبى فى بكاء ريتشارد متحسرا على خسارته المعركة هو ما شهدناه فى ملامح إيتو وبكائه هو ولاعبيه بعد خسارتهم، ويكفى خوفهم بعد وصولهم لضربات الجزاء، حيث لم تفلح ألاعيبهم التحكيمية ولا عنفهم وخشونتهم ضد لاعبينا، ولم تفلح أبراجهم العالية كما فى الفيلم أمام الكور النارية التى أسقطت الأبراج الحربية وقذفت شباك الحارس الكاميرونى.
لنصل إلى مشهد الحسم فى الفيلم بعد النصر بخروج المناصرين لصلاح الدين بأغصان الزيتون فرحين مهللين وهو نفس المشهد الذى وجدناه من جماهير الكرة المصرية التى لم تفقد ثقتها فى منتخب بلادها حتى آخر لحظة ونفس، ومن جماهير المشجعين فى الشوارع وعلى المقاهى والبيوت فرحين بتفوق فريق بلادهم على نظيره الكاميرونى فى الحرب التى كان شعارها الأخلاق من الجانب المصرى والخصومة والرذيلة من الجانب الكاميرونى، وقدم اللاعبون المصريون تحية السلام على لاعبى الكاميرون رغم ما بدر منهم لأنها هى مصر بلد السلام ورسالتها السلام ومهد السلام.
لتكون هذه المباراة بمثابة درس بطولى جديد يضاف إلى دروس المصريين فى أخلاقهم الحقيقية.