البث المباشر الراديو 9090
د.رانيا أبو الخير
بين الحين والآخر يتجدد الحديث حول حقوق الإنسان كقضية حياتية فى كافة المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء، مع تباين أبعادها وتراتبية محاورها ومرتكزات عملها، بما يتسق مع التباينات الثقافية والحضارية والمجتمعية من بلد لآخر.

صحيح أن ثمة إطار عام ناظم لمثل هذه القضية يتمثل فى المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية، إلا أن وضع هذا الإطار الناظم موضع التطبيق عبر تبنى سياسات ووضع إجراءات وإقامة مؤسسات يختلف حسب الأوضاع والظروف التى تواجهها الدولة سواء على مستوى تفاعلات الداخل أو علاقات الخارج، شريطة ألا تكون هذه القضية سيفا مسلطا على رقاب الدول أو أداة للتدخل فى شئونها الداخلية.

الأمر الذى يتطلب التفكير فى رؤى جديدة ومنطلقات مستحدثة، على أن تضمن هذه الرؤى كيفية التعامل مع قضية حقوق الإنسان على مستويين، هما: المستوى الثقافى المعرفى بمعنى أن يكون لدى مؤسسات الدولة والقائمين عليها وكذلك المواطن فهما دقيقا لأبعاد منظومة الحقوق والحريات بما يحقق التوازن بين التمتع بها دون الإضرار بالآخرين. أما المستوى الثانى يتعلق بالممارسة العملية أو التطبيق العملى لمنظومة الحقوق والحريات، وهو ما يتحقق من خلال وضع رؤية متكاملة الابعاد لكيفية جعل حقوق الإنسان واقع معاش.

والحقيقة أن ما أقدمت عليه الدولة المصرية بإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان منذ سبتمبر الماضى، تقدم نموذجا عمليا لكيفية الجمع بين المستويين؛ الثقافى والتطبيقى على أرض الواقع، إذ رصدت فى محاورها العديد من الأبعاد المتعلقة بنشر وتعميق ثقافة حقوق الإنسان لدى الكافة عبر أدوات تعليمية وتربوية وإعلامية ومعرفية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، أولت اهتماما كبيرا بكيفية تطبيق هذه الثقافة عبر تبنى مجموعة من السياسات واتخاذ حزمة من الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك.

نهاية القول، إن قضية حقوق الإنسان فى عالمنا العربى رغم ما تحاول بعض المنظمات الدولية تشويه واقعها، إلا أن التقارير الدورية التى تقدمها الدول العربية سواء على المستوى الإقليمى عبر جامعة الدول العربية كما هو الحال فى اللجنة العربية لحقوق الإنسان المنبثقة عن الميثاق العربى لحقوق الإنسان، أو على المستوى الدولى عبر مجلس حقوق الإنسان وغيره من المنظمات الأممية المعنية، وتؤكد هذه التقارير على مدى ما يشهده ملف حقوق الإنسان فى المنطقة من تطورات إيجابية فى العديد من محاوره؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الأخذ فى الاعتبار أن الواقع ليس على الصورة الأكمل، بل لا تزال هناك العديد من المتطلبات الواجب العمل على توافرها، شأنها فى ذلك شأن الدول المتقدمة التى لا تزال تعانى أيضا من ملفات حقوقية عديدة.

ولعل آخرها ما جاء فى مشروع القانون الأسلاموفوبيا الذى يناقشه الكونجرس الأمريكى والذى يعكس حالة من حالات التمييز فى مجتمع يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان فى حين أنه يعانى فى حقيقته من صور عديدة من التمييز ليس فقط ضد المسلمين وإنما كذلك ضد كافة الأقليات التى يتكون منها المجتمع الأمريكى، كما أن الحال لا يقتصر على الولايات المتحدة الامريكية فحسب، بل يشهد ذلك واقع دول أوروبية أخرى كما هو الحال فى فرنسا وبريطانيا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز