حسام الدين الأمير
ولمن لا يعرف فقد استخدمت إسرائيل فى هذه العملية كافة الأشكال الهمجية واللا إنسانية ودفعت بعدد كبير من قواتها العسكرية الجوية والبرية والبحرية فى هذه العملية، التى تسببت فى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا حيث سقط فيها عشرات الشهداء وحوالى 300 جريح، ونزوح عشرات الآلاف، هذا بخلاف الأضرار التى لحقت بكافة المنشآت السكنية والمدنية.
وخلال الستة عشر يوم لعملية عناقيد الغضب ارتكبت إسرائيل مجازر فرعية فى لبنان على هامش العملية كان أبشعها على الإطلاق "مجزرة قانا" التى شبهها الإعلام الغربى أنها الـ "هولوكوست ضد الأطفال".
تلك المجزرة التى وقعت فى 18 أبريل 1996 حيث احتمى الأطفال الأبرياء العزل والمدنيين وعددهم حوالى 800 فى مركز قيادة فيجى التابع لقوات اليونيفيل فى قرية قانا جنوب لبنان، هربا من العملية الوحشية التى كانت تقوم بها إسرائيل وهى عناقيد الغضب، لكن قوات الاحتلال الإسرائيلى قامت بقصف المقر، الأمر الذى أدى إلى استشهاد 106 من المدنيين وغالبيتهم من الأطفال وإصابة الكثير بجروح، والكارثى بعد هذه المجزرة هو صمت المجتمع الدولى عما حدث وفى مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اجتمع أعضاء مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين إسرائيل ولكن الحليف الأمريكى أجهض القرار باستخدام حق النقض "الفيتو ".
واستمرارا لمسلسل التضليل صرح شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلى وقتها أن الجيش الإسرائيلى لم يكن على علم بوجود مدنيين فى مقر الأمم المتحدة، لكن الحقيقة التى أعلنها الجنرال موشيه ايلون رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بأن ضباط الجيش الإسرائيلى كانوا على علم قبل القصف بوجود لاجئين مدنيين فى هذا المركز التابع للأمم المتحدة وأصروا على قصفه، وهو نفس الأمر الذى أكدته عدد من المنظمات العالمية الحقوقية التى قامت بالتحقيق حول ملابسات المجزرة، وكانت النتائج أن القصف كان متعمدا والجيش الإسرائيلى كان على علم بوجود المدنيين فى مقر اليونيفيل.
والمستفز فى الأمر وما يدلل على سياسة الكيل بمكيالين التى تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية هو تصريح الرئيس الأمريكى بيل كلينتون وقتها بإعلان دعمه الكامل لإسرائيل فى نتائج هذه العملية، واعتبر أن هذه المجزرة كانت خطأ من نوع الأخطاء التى تحدث فى الحروب، وأعلن أمام العالم كله أن للإسرائيليين الحق فى الدفاع عن أنفسهم.
ورغم هذا التواطؤ إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت فى 25 أبريل 1996 بأن إسرائيل انتهكت القوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين خلال الحرب، ووضعت الرئيس الأمريكى بيل كلينتون وقتها فى حرج أمام العالم أجمع، الأمر الذى أضطر بسببه شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلى اعترافه بمسؤولية الجيش وضباطه عن المجزرة وتحمل علنا المسؤولية عنها، لكنه صب كل غضبه هو والإدارة الأمريكية على الأمم المتحدة بسبب تقريرها الذى أعلنته للعالم وأظهرت فيه أن إسرائيل استهدفت المدنيين بشكل متعمد.
وقبل مذبحة قانا بأيام ارتكبت إسرائيل مجزرة أخرى بحق الأطفال أيضاً خلال وقت عملية عناقيد الغضب وتحديدا يوم 13 أبريل 1996 أى بعد 48 ساعة من انطلاق العملية، وهى حادث إسعاف المنصورى، ذلك الحادث الذى رصدته بعدستها مراسلة وكالة أنباء رويترز هناك وقتها نجلاء أبو جهجة، المراسلة الحربية التى اعتبرها المجتمع الدولى الشاهدة الوحيدة على هذه المجزرة والتى كشفت فيها بالصوت والصورة مشاهد حية هزت الإنسانية، تم عرضها فى جميع تليفزيونات العالم عدا إسرائيل التى امتنعت وحدها عن بثها بحجة تجنيب مشاهديها رؤية المقاطع الفظيعة، وكأنه اعتراف ضمنى منها على وحشية الأمر وبجاحة منقطعة النظير.
وحسب ما صرحت به المراسلة الحربية شاهدة العيان على المجزرة فقد طلبت وزارة الإعلام الأمريكية من جميع وسائل الإعلام الرسمية والخاصة عندها عرض شريط الفيديو الخاصة بالحادثة بعد الساعة الثامنة مساء، بحيث يكون الأطفال نياماً.
ورأت وكالة رويترز وقتها وعلى لسان مديرها فى بيروت ضرورة نشر الحادث بشكل واسع وتسويقى لأن مثل هذا الحادث لا يتكرر إلا كل مائة سنة.
وملخص حادث اسعاف المنصورى هو تفحم واحتراق خمسة عشر طفلاً و امرأتين فى سيارة الإسعاف التى كان يقودها المزارع اللبنانى عباس جحا لينقل أبنائه بالإضافة إلى مجموعة من الجرحى إلى منطقة صيدا هربا من المروحيات، وفى هذه الأثناء ووقت عبور السيارة قصفت طائرة تابعة للجيش الإسرائيلى وعن عمد سيارة الإسعاف مما أدى إلى استشهاد من فيها وأدت وحشية القصف إلى انفجار رؤوس بعض الأطفال داخلها وتحديدا أطفال المواطن اللبنانى عباس جحا وهم مريم وحنين وزينب الذين تراوحت أعمارهم بين 7 أشهر و9 سنوات، هذا بجانب غيرهم من الأطفال والسيدات التى قامت المراسلة الحربية وقتها بتصوير المشهد بكاميرتها من بدايته لحظة عبور سيارة الإسعاف المكتظة بالأطفال وصولا إلى القصف والتأخير المتعمد فى وصول فرق الإنقاذ.
واستمرارا لمسلسل البجاحة الإسرائيلية اعترف الإسرائيليون بأنهم تعمدوا استهداف السيارة، وأدعى الجنرال موشيه يعلون، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن المقاتلين فى هذا الوقت كانوا يستخدمون سيارات الإسعاف للهرب، الأمر الذى نفاه التحقيق الذى قامت به منظمة العفو الدولية وقتها، كما شكل هذا الاستهداف اختراق واضح وصريح لاتفاقيات جنيف التى تحمى المدنيين.