البث المباشر الراديو 9090
محمد البياع
لاحظ  أحمد، وهذا اسم (مستعار).. تجمعا بشريا كبيرا أمام أحد المنازل المتواضعة بالقرية لأشخاص يحملون لفافات ورقية وأكياس  تمتلئ بالأوراق النقدية، ويقومون باستجداء من يقف على باب البيت أن يسمح لهم بالدخول لمقابلة صاحب المنزل، وهو سائق توك توك.

كان أحمد يعرف السائق منذ فترة الطفولة، وعلم من الناس أنه غادر القرية بعد وقت قصير من خروجه من السجن بعد حبسه فى إحدى الجرائم الجنائية إلى مدينة الإسكندرية الساحلية، لكنه عاد مرة أخرى، ليقول إنه يعمل فى مجال تجارة المواشى والجمال، وإن الله قد فتح عليه باب الرزق الواسع "ببركة أولياء الله الصالحين"، وإنه عاد إلى قريته كى يساعد الفقراء على تحقيق أحلامهم.

اقتنع أحمد بهذه الرواية، وقرر أن يجمع ما يملك، وهو 25 رأسا من الجاموس والأبقار، وسلمها إلى "المستريح"، الذى بات اسمه يحمل لقب "البنك"، بعد أن تكالب أهل القرية والقرى المجاورة على وضع أموالهم ومدخراتهم لديه، يحدوهم الأمل فى تحقيق ربح كبير وسريع كما وعدهم.

يقول أحمد إن قيمة الماشية التى سلمها لـ "المستريح" تبلغ نحو 500 ألف جنيه، وإنه حصل على وعد بأن يتسلم مليون جنيه بعد ثلاثة أسابيع فقط، أى بمكسب يبلغ 100 %.

لكن الرجل اختفى للأبد، وأغلق هواتفه وكذلك اختفى مساعدوه الذين كانوا يجمعون الأموال من القرية.

وفى تحليل لهذه الظاهرة، نجد  إن هناك اختلافات فى هذا الشأن بين سكان المدن، وسكان الريف والمناطق الشعبية، حيث نلاحظ أن سكان المناطق الفقيرة هم أكثر ميلا لعمليات توظيف الأموال، إذ يرى بعضهم أن أموال البنوك قد تكون حرام لأنها تقوم على الربا رغم تأكيد كبار المشايخ فى كل العالم الإسلامى والأزهر على سلامة المعاملات البنكية تماما من الناحية الشرعية.

بالإضافة الى وجود بعض الحالات أشخاص يختارون عدم وضع أموالهم فى البنوك ظننا منهم أن أموالهم ستكون بعيدة عن اى أعباء ضريبية أو ما شابه، أو نتيجة للحصول عليها بطرق غير مشروعة ولذلك فإنهم يقومون باستثمار هذه الأموال لدى "المستريح" ومن هم على شاكلته، بعيدا عن القنوات الشرعية.

ولا شك أن المستحدثات التكنولوجيا أيضا من الممكن أن تستخدم فى عمليات النصب أيضا إن لم توجد التوعية اللازمة.

أما القاعدة الأساسية التى تنطلق منها ظاهرة المستريح على مر العصور والأزمنة هى أن النصاب يحتاج دائما إلى طماع، والبعض لم يتعلم من أزمة شركات توظيف الأموال فى الثمانينات وما أعقبها، وإن دائما  يكون بجانب النصاب أشخاص تشكر فيه.

أن انتشار هذه الظاهرة بمختلف المحافظات يؤكد خطورتها والحاجة الأكبر لمواجهتها على مستوى الثقافة والوعى، وليس تطبيق القانون فقط وعقوبته التى قد تكون بحاجة لإعادة نظر، إذ يجب العمل على نشر التوعية وتوفير البدائل المالية للمواطنين، وعلى  ضرورة زيادة هذا الوعى عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، فى إطار مسؤوليته عن مناقشة قضايا المجتمع وواقعه اليومى ومعالجة مثل تلك الظواهر.

 بالإضافة إلى ضرورة رفع الوعى المعرفى بمجالات الاستثمار الآمن للأموال لدى جموع أفراد الشعب، وتوسيع مبادرة الشمول المالى لإقناع أكثر من 80 فى المئة من المصريين بفتح حسابات بنكية.

أن جهود رجال وزارة الداخلية، وتحديدا الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة تستحق الإشادة وكامل التقدير لبذلهم جهودا كبيرة لضبط قضايا توظيف الأموال، والتدخل بشكل فورى بعد تلقى بلاغات من الضحايا بتعرضهم للنصب أو الاستيلاء على أموالهم.

ولكن أرى أيضا أنه قد وجب النظر فى تغليظ العقوبات على مرتكبى جرائم النصب على المواطنين، إذ أنها تندرج حاليا فى قانون العقوبات تحت باب الجنح وليس الجنايات رغم خطورتها الشديدة على الأمن الاقتصادى والمجتمعى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز